في تشابه مرفأي اللاذقية وبيروت... يختبئ شيطان

كتب باسل العودات في المدن:

عام ونيّف يفصل بين التاريخين، الثلاثاء 4 آب/أغسطس 2020، والثلاثاء 28 كانون الأول/ديسمبر 2021، في الأول حصل انفجار مهول في مرفأ بيروت اللبناني، وفي الثاني حصل تفجير لمرفأ اللاذقية السوري، ورغم اختلاف الطريقة والفاعل والأسلوب، إلا أنهما حدثان متشابهان في كثير من التفاصيل.


صحيح أن انفجار مرفأ بيروت أضخم بكثير من ذلك الذي تعرض له مرفأ اللاذقية، وتسبب بخسائر بشرية ومادّية غير محدودة للبنانيين، شعباً ودولة، إلا أنه وبالنظر إلى الموضوع بكلّيته، تتضح أوجه الشبه، وتتضح مأساة شعبين مغلوبين على أمرهما منذ عقود.


البضاعة التي انفجرت في مرفأ بيروت لا علاقة للبنانيين بها لا من قريب ولا من بعيد، وكذا الأمر في مرفأ اللاذقية، في الأول انفجرت مواد تُستخدم لصناعة أسلحة ومتفجرات، لا يُعرف من ستقتل في لبنان، وفي الثاني أسلحة ومتفجرات معروف من ستقتل في سوريا، وفي الأول أيضاً، لا مالك البضاعة ولا بلد الوصول، لهما صلة بلبنان، وفي الثاني كذلك، لا مالك البضاعة ولا الجهة التي ستذهب إليها، له صلة بسوريا، وفي مرفأ بيروت يُسيطر حليف إيران بالكامل على المرفأ، ويبتلع الدولة، فيما يُسيطر النظام السوري على مرفأ اللاذقية، ويبتلع الدولة أيضاً.


المرفأن الفينيقيان منفذان رئيسان للاقتصاد الوطني لكل من لبنان وسوريا، وللتجار والمواطنين، والمساس بهما -فضلاً عن أنّه يمسّ جزءاً معنوياً من تاريخ هاتين المدينتين- فإنه يشلّ الحركة التجارية والاقتصادية ويُجوّع الشعبين، ولا يؤثر بطبيعة الحال على السلطتين لأنهما لا تأبهان بردود الفعل، ولا تعترفان بأخطائهما، ولا تتحدثان إلا بمنطق أن ما يجري هو مؤامرة عليهما بسبب وطنيتهما وصمودهما وتصدّيهما، وتستمران في غيّهما رغم رفضهما شعبياً على مستوى واسع.


في هذين المرفأين، يُمنع تخزين مثل هذه البضاعة "التدميرية"، وهذا الأمر إلزامي في كل المرافئ التجارية في بلاد العالم، وإدارات المرافئ لا تسمح مُطلقاً بتفريغ أي شحنة تحتوي على مواد حارقة أو متفجرة أو قابلة للاشتعال، وحدها سلطة مرفأ بيروت وسلطة مرفأ اللاذقية تسمحان بذلك من دون أن يرف لهما جفن.


في تفجير بيروت اتُهمت إسرائيل بصلتها بالموضوع، وأن ما جرى هو قصف متعمّد وليس تفجيراً غير مقصود، كما اتُّهمت إيران بشكل غير مباشر بتخزين مواد لتسريبها تدريجياً من المرفأ إلى الحليف السوري، وفي تفجير اللاذقية اعترفت إسرائيل بصلتها بالموضوع وبغارتها، وكانت هناك تأكيدات على تخزين إيران لأسلحة خطيرة.


إسرائيل وإيران عاملان مشتركان في القصتين، والحدثان التخريبيّان وهما نتيجة مباشرة لتدخّل هاتين الدولتين في سوريا ولبنان، ولأهداف لا علاقة لها بالشعبين ولا الدولتين، تدخّل يُلامس حدود الاحتلال لهاتين الدولتين، والسوريون واللبنانيون ضحايا مشتركون على الصعيد الاقتصادي والبشري والسياسي.


منذ استقلال سوريا ولبنان، كانت هناك جمارك مشتركة بينهما، يرأسها دائماً لبنانيون، وكان المرفأ المشترك في بيروت، إلى أن قرر الرئيس السوري خالد العظم فصل الوحدة الجمركية مع لبنان، وأنشأ مرفأ اللاذقية، فكان واحداً من أهم المشاريع الاقتصادية في عهده. لكن ذلك لم يُغير من حقيقة ترابط وتكامل البلدين اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً، إلى أن بدأ التدخل الإيراني، الذي استفزّ بدوره وبقوّة الطغيان الإسرائيلي، ورافقه الطغيان السلطوي الذي أفسد ودمّر في لبنان كما في سوريا.


بعد حادثتي المرفأين، تعمّقت أزمات البلدين، اللذين يعانيان أساساً من أزمات مالية واقتصادية وسياسية خانقة، ومن قطيعة عربية، وخليجية خصوصاً، تطاول البلدين.
منظومة السلطة في كلا البلدين، سوريا ولبنان، منظومة شمولية قمعية فاسدة، تتستر بغطاء ديماغوجي قوامه الممانعة والمقاومة، منظومة سمحت لإيران بأن تستثمر في الفوضى الشرق أوسطية، فتحكّمت بالسلاح والقرار السياسي وغير السياسي، على حساب اللبنانيين والسوريين، ومن دون أي حساب إلا في حدود ما تفيد الاستراتيجية الإيرانية.


لن يطول الحال كثيراً حتى يستعيد السوريون واللبنانيون، من صور إلى طرابلس، ومن درعا إلى حلب، زمام المبادرة كشعب واحد تحكمه طغمتان، ولا انفكاك وحرية لواحد إلا بحرية الآخر، وإبقاء شعلة العلاقة التاريخية والإنسانية متّقدة، لأنها إحدى الأدوات التي تكسر أُسس الطغيان.