المصدر: نداء الوطن
الكاتب: داود رمال
الخميس 1 كانون الثاني 2026 08:42:27
أعاد اجتماع فلوريدا بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تثبيت معادلة باتت تحكم مقاربة إسرائيل لكل ملفات الصراع في المنطقة، وفي طليعتها الساحة اللبنانية، وهي معادلة تقوم على تحويل التفوّق العسكري المحقَّق والمستدام إلى أداة سياسية تفاوضية، لا كخيار أخير بل كأساس لأي مسار دبلوماسي. الأخطر في هذا السياق أنّ واشنطن، بدل أن تعمل على كبح هذا المنحى أو موازنته، تبدو مجارية له، سواء عبر توفير الغطاء السياسي أو من خلال الدفع باتجاه حلول تُصاغ على قياس موازين القوى القائمة لا على أساس القانون الدولي أو قرارات الأمم المتحدة. هذه المعادلة تضع لبنان أمام واقع قاسٍ، لكنه واقع لا يمكن القفز فوقه أو تجاهله إذا كان الهدف الوصول إلى حلول مستدامة لا مجرّد إدارة مؤقتة للأزمات.
فالاختلال الفادح في ميزان القوى لمصلحة إسرائيل لا يترك مجالاً لأي وهم بإمكانية معالجة المعضلة الإسرائيلية عسكريًا، لا من قبل دولة لبنانية منهكة اقتصاديًا ومؤسساتيًا، ولا من قبل أي جهة لبنانية أخرى مهما بلغت قدراتها. التجارب السابقة، القريبة والبعيدة، أثبتت أن التفوّق العسكري الإسرائيلي لا يُواجَه بتصعيد عسكري مماثل، بل يُستثمر من قبل تل أبيب لفرض وقائع جديدة على الأرض، ثم تحويل هذه الوقائع إلى أوراق ضغط في أي مسار تفاوضي لاحق. من هنا، فإن الإصرار على مقاربات خارج حسابات القوة الفعلية لا يؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، ويمنح إسرائيل الذريعة التي تحتاجها لمواصلة الاحتلال والأعمال العدائية تحت عناوين أمنية جاهزة.
يزداد المشهد تعقيدًا مع افتقاد لبنان لأي وسيط محايد فعلي. فالرفض الإسرائيلي القاطع لأي وساطة أممية أو أوروبية أو عربية يحصر قنوات التواصل بوسيط واحد هو الولايات المتحدة، بما تحمله هذه الحقيقة من إشكاليات بنيوية. فالوسيط الأميركي ليس محايدًا، بل شريك استراتيجي لإسرائيل، ومع ذلك يجد لبنان نفسه مضطرًا، بحكم الواقعية السياسية، إلى سلوك المسار الدبلوماسي وقبول هذا الوسيط، لا اقتناعًا بعدالته بل لغياب البدائل. هذه المفارقة تشكّل إحدى أكبر مشكلات الصراع اللبناني الإسرائيلي اليوم؛ الحاجة إلى التفاوض من جهة، وانعدام التوازن والحياد في رعاية هذا التفاوض من جهة أخرى.
منذ البداية، لم يُخفِ الأميركي موقفه. هو يدفع باتجاه تفاوض مباشر وبلا وسطاء بين لبنان وإسرائيل، ويعمل تدريجياً على تهيئة الأرضية لهذا الخيار. في إطار لجنة الميكانيزم، يمكن ملاحظة حركة بطيئة لكنها ثابتة في هذا الاتجاه، ما يوحي بأن لبنان قد يجد نفسه، في وقت غير بعيد، أمام واقع تفاوضي مباشر، حتى لو كان هذا الواقع مرفوضًا من شريحة واسعة من اللبنانيين. هنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة؛ ليس في مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل في الدخول إليه من دون رؤية موحّدة أو أوراق قوة سياسية ودبلوماسية واضحة.
قبل الوصول إلى هذه اللحظة، يبرز السؤال الجوهري: ما العمل؟ الحل لا يكون برفض الواقع من دون بدائل، ولا بالانزلاق إليه من دون تحصين داخلي، بل بتحسين شروط التفاوض مسبقًا. وهذا لا يتحقق إلا عبر فتح نقاش وطني جدي وصريح يفضي إلى تفاهم لبناني واسع حول ثلاث مسائل أساسية: من يفاوض؟، وكيف يفاوض؟، وعلى ماذا يفاوض؟. هل يكون التفاوض محصوراً بوقف الأعمال العدائية؟ أم بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف الخط الأزرق؟ أم بإطلاق الأسرى؟ أم بتثبيت الحدود البرية؟ أم بفتح كل هذه المسارات دفعة واحدة ضمن سلة تفاوضية شاملة؟ لكل خيار كلفته ومخاطره وفرصه، لكن الأخطر هو ترك هذه الأسئلة بلا إجابة واضحة إلى أن تُفرض الأجوبة من الخارج. في هذا السياق، لا يبدو الطرح الأميركي حول لجان تفاوضية متعددة ومتخصصة، كما سبق أن أشارت إليه الموفدة مورغان أورتاغوس، بعيداً عن التطبيق متى لمس الأميركي غياب موقف لبناني موحّد.
يزداد المشهد تعقيدًا أكثر إذا وُضع لبنان أمام خيارين أحلاهما مرّ: التفاوض على اتفاق أمني، على غرار ما تحاول سوريا فعله اليوم وتُواجَه فيه بتعنّت إسرائيلي غير مسبوق ومطالب لا يمكن القبول بها، أو الذهاب نحو اتفاق سلام يدرك لبنان مسبقاً أنه سيكون فيه الطرف الخاسر إذا لم يكن جزءًا من شراكة عربية واسعة، ولا سيما خليجية وعلى رأسها السعودية، استنادًا إلى مبادرة السلام العربية. في غياب هذا الإطار العربي الجامع، يتحوّل أي تفاوض ثنائي إلى مغامرة غير محسوبة النتائج.
من هنا، تبدو المسؤولية اللبنانية مضاعفة مع بداية العام الجديد. المطلوب طرح هذه التحديات على الطاولة من دون مواربة، والعمل على بناء إجماع لبناني واسع يحدّد الخيارات ويضع الخطوط الحمر. فإسرائيل، وفق كل المؤشرات، تريد الاستمرار في الاحتلال وفي الأعمال العدائية، لا فقط لأسباب أمنية، بل كورقة تفاوض وكأداة دائمة لعدم الاستقرار، تستخدمها للتلاعب بالوضع الداخلي اللبناني كما تفعل في الداخل السوري. مواجهة هذه الاستراتيجية لا تكون بالشعارات، بل بتعزيز الموقف اللبناني دولياً عبر توحيد القرار الداخلي.
هنا تبرز مسؤولية حزب الله تحديدًا، لا من باب الاستهداف السياسي، بل من زاوية المصلحة الوطنية. فتموضع الحزب لبنانيًا، ووضع السلاح في يد الدولة اللبنانية، يشكّل عنصرًا أساسيًا في تحسين شروط التفاوض، ويمنح لبنان صدقية أكبر أمام المجتمع الدولي. من دون ذلك، سيبقى لبنان الحلقة الأضعف في معادلة إقليمية قاسية، يدفع ثمنها من استقراره وسيادته واقتصاده، فيما الحلول المستدامة تظل مؤجّلة إلى أجل غير معلوم.