المصدر: موقع الأنباء الإلكتروني
الكاتب: غريس الهبر
الثلاثاء 16 حزيران 2026 14:55:42
أيام تفصلنا عن توقيع مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية في جنيف، ويكون العالم على بينة من بنود هذا الاتفاق الثنائي، بعد معركة مفاوضات ضارية استمرت لأشهر. ولكن ماذا عن لبنان؟ إذ ثمة تباين واضح فيما يتعلق بجبهة الجنوب، يعيدنا بالذاكرة الى اتفاق الهدنة الأول بين واشنطن وطهران.
وفي هذا السياق، الجانبان الباكستاني والإيراني أكدا أن الاتفاق ينص على الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان. وفي المقابل، العدو الإسرائيلي يصر على الاحتفاظ بحرية التحرك والعمل العسكري، وبحق الدفاع عن النفس، فالغارات والقصف المدفعي مستمران جنوبًا، فيما الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن عن سعي الولايات المتحدة الى تسوية النزاع في لبنان، مشيرًا الى ضرورة التباحث مع إسرائيل حول هذا الموضوع. واعتبر أن ايجاد حل في لبنان ليس بالأمر الصعب ويتعين اجراء محادثات مع "حزب الله".
وفي قراءة لانعكاس هذه التطورات على لبنان، يرى الملحق العسكري السابق والكاتب في الشؤون العسكرية والاقتصادية العميد المتقاعد وليد شيا أن لبنان أمام مرحلة اللااستقرار المستمر في ظل تفاهمات أميركية – إيرانية غير مكتملة، مشيرًا الى أن لبنان يترقب انعكاسات أي مسار إقليمي جديد على واقعه السياسي والأمني، وسط تساؤلات حول مستقبل الوضع الحدودي وخصوصاً في الجنوب.
ويعرب شيا عن اعتقاده أن أي تفاهم أميركي – إيراني محتمل لن ينعكس بشكل مباشر وسريع على لبنان، بل سيحتاج إلى اختبار ميداني وسياسي، خصوصاً أن الساحة اللبنانية تبقى من أكثر الملفات حساسية في أي ترتيبات إقليمية، وتبدو مرشحة لأن تكون الملعب الأخير لاختبار التوازنات في المواجهة غير المباشرة بين إسرائيل وإيران، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية الإسرائيلية مع النفوذ الإيراني والواقع اللبناني الداخلي.
ومع اقتراب جولة تفاوضية جديدة بين لبنان وإسرائيل، لا يرى شيا أن "المرحلة المقبلة حاملة لتحولات حاسمة بقدر ما تشير إلى استمرار إدارة التوتر لفترة طويلة". ويشير الى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في "لا حرب شاملة في الأفق القريب، لكن أيضاً لا استقرار نهائي، بل حالة من الهدوء الحذر القابل للاهتزاز في أي لحظة، مع بقاء الجنوب مساحة مفتوحة على احتمالات التصعيد أو التسويات الجزئية".
هدوء حذر قابل للاهتزاز
يستعد لبنان لجولة جديدة من المفاوضات مع إسرائيل، في واشنطن في 22 الجاري، وسط ترقب لما قد تحمل من نتائج بعد التطورات الأخيرة.
وفي سياق متصل، بدا لافتًا تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بأن الطرف الأول في مذكرة التفاهم المزمع توقيعها يوم الجمعة المقبل هو أميركا وإسرائيل والطرف الثاني هو إيران و"حزب الله"، ما يثبت مجددًا ربط قرار الحزب بإيران عسكريًا وسياسيًا.
الى ذلك، رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام أكدا بعد لقاء اليوم "ثبات الموقف اللبناني في مفاوضات واشنطن لوقف الحرب وانسحاب إسرائيل". واعتبرا "التفاهم الأميركي الإيراني عاملًا إيجابيًا لدفع جهود إنهاء الحرب".
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيرّجح أن يصمد وقف إطلاق النار الشامل في لبنان إلى حدّ كبير، مشدِّدًا على أنّ تل أبيب لا تحظى بموجب مذكرة التفاهم بحرّية الحركة، والمهمّ الآن هو العمل على ضمان الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، موضّحًا أنّ هذا الأمر سيُدرَج ضمن فترة الـ60 يوماً من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، "لكن ليس معنى ذلك ألا يشتغل أصحاب الشأن عندنا على هذه المسألة أيضاً".
وإذ تشير المعطيات المتداولة إلى أن إسرائيل تتمسك بما تصفه بحق الدفاع عن النفس، فهي "تسعى إلى إدارة الواقع الأمني على الحدود من خلال الحفاظ على هامش تحرك عسكري واستخباراتي، مع الإبقاء على وجود عملياتي في بعض المناطق، من دون وضوح حول أي جدول زمني للانسحاب الكامل"، وفق شيا.
وفي قراءة دقيقة للمشهد، يرى شيا أن "المرحلة المقبلة قد لا تتجه نحو حرب واسعة، لكنها تحمل مؤشرات على استمرار حالة التوتر والاستنزاف"، موضحًا أن "المعادلة الحالية تبدو أقرب إلى إدارة أزمة طويلة الأمد، حيث تسعى إسرائيل إلى تثبيت واقع أمني يمنحها قدرة على التدخل عند الحاجة، بينما تواجه الأطراف اللبنانية صعوبة في فرض تغيير جذري في قواعد الاشتباك القائمة".
ويعتبر شيا أن حزب الله يجد نفسه أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على حضوره الأمني من جهة، وارتفاع الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى، لا سيما مع ملفات إعادة الإعمار وعودة المتضررين، ما يحدّ من هامش الحركة ويجعله أمام خيارات أكثر تعقيدًا.
ويخلص شيا الى أن الخطر الأكبر يكمن في أن يتحول الهدوء النسبي إلى حالة من "الاستنزاف المنظم"، بحيث لا نشهد حرباً مفتوحة، لكن أيضاً لا يتم الوصول إلى تهدئة مستقرة، بل تستمر العمليات المحدودة والرسائل الأمنية المتبادلة ضمن سقف محسوب يمنع الانفجار الكبير، من دون أن ينهي أسباب التوتر.
وبانتظار الإعلان عن تفاصيل المذكرة بين واشنطن وطهران، وما سيليها من مفاوضات المرحلة الثانية "بشياطين تفاصيلها"، لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل القرى الجنوبية، وماضية في العمليات العسكرية.
ويرجّح مطّلعون أن الاتفاق لن ينعكس إيجاباً على لبنان في المدى المنظور، بل قد يفسح المجال أمام إسرائيل لتعميق وجودها العسكري في مناطق إضافية، من بينها النبطية وإقليم التفاح. ووفق هذا التقدير، لا تبدو فرص التوصل إلى وقفٍ فعلي لإطلاق النار أو انسحابٍ إسرائيلي وشيكة، ما يجعل المكاسب اللبنانية المتوقعة من الاتفاق محدودة للغاية. كما أن عودة النازحين إلى مناطقهم قد تبقى مؤجلة، الأمر الذي يستدعي من الحكومة التركيز على ملف الإيواء وتأمين الدعم اللازم لمراكز النزوح، ولا سيما الكبرى منها.