المصدر: نداء الوطن
الكاتب: لوسي بارسخيان
الخميس 12 شباط 2026 07:17:06
لم تتطابق حسابات الحقل مع حسابات البيدر في مسألة استثناء لبنان من القرار الذي اتخذته السلطات الرسميّة السورية بحصر نقل البضائع إلى داخل أراضيها بالشاحنات السورية. فبعد ستة أيام على بدء تنفيذ القرار، وما خلّفه من تداعيات حادّة تُرجمت بأرتال من الشاحنات المنتظرة على جانبي الحدود، في لبنان وسوريا، لا تزال دمشق متمسّكة بموقفها في إلزام كلّ شاحنة لبنانية متجهة إلى سوريا بإفراغ حمولتها على الحدود وتسليمها لشاحنة سورية، أسوةً بما يتضمّنه القرار الذي يشمل كلّ الدول التي تتشارك مع سوريا المعابر الحدودية، ولا سيّما العراق والأردن وتركيا.
وعليه، فإن أقصى ما حققه لبنان من خلال محاولة جديدة أجراها أمس لحلّ المشكلة بالحوار والدبلوماسية، هو انتزاع وعد بأن يكون لبنان أوّل المستثنين في حال قرّرت السّلطات السورية منح استثناءات لأحد، مع طرح خطة مبدئية لاستثناء المنتجات السريعة التلف على المدى القصير.
هذا الطرح لم يُرضِ بطبيعة الحال سائقي الشاحنات اللبنانية ومالكيها، فقرّروا الإبقاء على المعابر اللبنانية مقفلة أمام الشاحنات السورية، مطبّقين مبدأ المعاملة بالمثل "بقوّة الساحات"، طالما أن القرار الرسمي في بيروت لم يُحسم بعد. وأعلن السائقون بالتالي عدم خضوعهم لا لضغوط الهيئات الاقتصادية من أجل فك الحصار عن الشاحنات المحتجزة، ولا إلى تمني الجهات الرسمية اللبنانية بأن يبادر الطرف المتضرّر إلى إبداء حسن النية من خلال الإفراج عن بعض الشاحنات التي يمكن أن تتعرّض فيها البضائع للتلف.
تصعيد على الحدود… وتفاؤل لم يدم ساعة
وكان سائقو الشاحنات ومالكوها اللبنانيون، قد صعّدوا تحرّكاتهم منذ يوم الثلثاء الماضي، في محاولة تصدّ للقرار السوري، الذي قفز فوق اتفاقية النقل الموقعة بين البلدين منذ العام 1993 من دون أن يبلغ السلطات اللبنانية مسبقًا بذلك. فأعاقوا حركة انسياب الشاحنات السورية من الأراضي اللبنانية وإليها، أسوة بما طبق على المستوى الرسمي في سوريا. ورافقت تحركهم اتصالات ولقاءات وتوصيات، أبرزها تلك التي رفعت إلى الحكومة من مديرية النقل، عقب لقاء عقده مديرها العام أحمد تامر مع النقابات والهيئات الاقتصادية المعنيّة بالأزمة، وأوصت بمعاملة الشاحنات السورية بمثل القرار المتخذ في سوريا.
بالمقابل، أشيع جوّ من التفاؤل في أوساط المحتجين، إثر الخبر الذي تمّ تداوله مساء الثلثاء عن توجّه وفد لبناني برئاسة تامر أيضًا إلى منطقة جديدة يابوس، من أجل التوصّل إلى حلول للأزمة، بسعي حثيث من المدير العام للأمن العام.
إلّا أن هذه الإيجابيّة سرعان ما تبدّدت فور عودة الوفد إلى لبنان. فبعد مباحثات لم تستغرق أكثر من ساعة، عاد المشاركون باللقاء وأبرزهم نقيب مالكي الشاحنات المبرّدة أحمد الحسين، ليعلنوا من الحدود اللبنانية عدم التوصّل إلى تفاهم فوريّ لاستثناء لبنان من القرار السوري.
إبرة المورفين لا تهدّئ الغضب
بحسب المعلومات، فإن المدير العام للمعابر السورية ومدير معبر جديدة يابوس، اللذين كلّفا بلقاء الوفد اللبناني، لم يحملا معهما أي قرار أو وعد باستثناء لبنان من بين الدول الأخرى التي يطبّق عليها القرار. وعليه تمحور اللقاء حول تقديم كلّ طرف وجهة نظره ودوافعه. فتمسّك الجانب السوري بكون القرار إجراء تنظيميًا لحماية قطاع النقل السوري في ظلّ أوضاع داخلية ضاغطة وقطع طرقات واعتبارات لوجستية. بينما عرض لبنان وقعه على قطاع النقل البرّي في لبنان، خصوصًا أن سوريا هي المتنفس البري الوحيد للبنان، ومنفذه إلى سائر البلدان العربية.
اتفق الطرفان في المقابل على رفع توصية من قبل الجانب اللبناني إلى السلطات السورية، تطالب باستثناء لبنان من القرار، مع وعد بتسهيل أمور بعض الشاحنات اللبنانية المنتظرة على الحدود والتي تحمّل مواد سريعة التلف. ليعود الوفد إلى الأراضي اللبنانية برسالة واضحة ومفادها أن لا تراجع فوريًا عن القرار، ولا استثناءات مضمونة، وإن كان باب التشاور لم يُغلق بالكامل. هذا الأمر الذي اعتبره أحد السائقين بمثابة "إبرة مورفين"، ولكنها على ما يبدو لم تنجح بامتصاص غضبهم.
إما وقفة واحدة أو فلنحوّل شاحناتنا أقنان دجاج
من بين جمهور السائقين الذين تجمهروا حول النقيب الحسين على مقربة من الباحة الجمركية في منطقة المصنع، خرج أحد السائقين صارخًا "هذا الطريق ممنوع أن يفتح. فإذا لم نقف الآن وقفة واحدة حوّلوا شاحناتكم منذ الآن إلى "قن" للدجاج واذهبوا إلى منازلكم".
تفاوت الرأي في أوساط المحتجين على القرار السوري، بين من رأى حاجة للإفراج عن بعض الشاحنات العالقة على الحدود، والتجاوب مع الضغوط التي يمارسها المصدّرون والتجار والهيئات المتضرّرة من الإجراءات الرسمية في سوريا والشعبية في لبنان، وبين من اعتبر أن أي تراجع عن موقف إبقاء المعابر مغلقة إلى حين التوصّل إلى حل، سيفرض كلفة تراكمية على قطاع النقل والمنتجين، ويطول مفهوم السيادة الاقتصادية وحدود التكامل مع اقتصاد جار. وعليه خرج السائقون، وهم أول المتضرّرين من القرار السوري، بموقف موحّد أعلن عنه سليم سعيد عضو الهيئة الإدارية في نقابة مالكي الشاحنات.
فقال سعيد: "كأعضاء نقابة نقل مبرد مشكلتنا ليست مع السوري، فهو قد اتخذ القرار الذي يصبّ بمصلحة مواطنيه. مشكلتنا مع دولتنا التي لم يصدر عنها حتى الآن أي قرار لحمايتنا. ونحن قد طلبنا المعاملة بالمثل، وحتى الآن لم يصدر مثل هذا القرار. لا بل إن دولتنا تطلب منا تقديم التنازلات". وأضاف: "لن نقدم تنازلات، وقرارنا بأن نبقي الساحات مغلقة، إلى حين صدور قرار من الدولة اللبنانية يقضي بالمعاملة بالمثل".
وشدّد سعيد في المقابل على "أن قرارنا ليس موجّهًا ضد الهيئات الاقتصادية، فكل تاجر يحتاج لدخول بضاعته، فليرسل شاحنة لبنانية إلى الحدود ويحملها، ونحن لن نقف بوجه أحد".
وإذ لفت سعيد إلى أن "لا مشكلة لدى الجانب السوري بأن نفرغ شاحناته القادمة من سوريا بشاحناتنا اللبنانية"، وشدّد على مبدأ التعامل بإيجابية مع الجميع، قائلًا: "الشاحنة الفارغة سنطلقها، وأي شاحنة ترانزيت سيفتح لها الطريق. أما سوريا التي لن تسمح لشاحناتنا بأن تدخل أراضيها كوجهة نهائية، فلن نسمح لشاحناتها المحمّلة بأن تدخل أراضينا أو تخرج منها".
فهل ستعمل سوريا على تدارك التداعيات الناجمة عن قرارها ليظلّ مجرد أزمة عابرة، أم ستصعّد الأمور خلال الأيام المقبلة، ما يفرض إعادة رسم قواعد العلاقة الاقتصادية البرية بين البلدين؟
|
النقل بالأرقام رغم تمسّك لبنان بعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل القرار الأخير الصادر عن السلطات السورية، فهو لا يمانع تعديل اتفاقية النقل الموقعة بين البلدين منذ العام 1993، والتي لم تكن يومًا متكافئة، بل رجّحت دائمًا الكفة لمصلحة سوريا. علمًا أنه بالأرقام، لا يمكن لقطاع النقل البري في لبنان أن يشكّل أي خطر على قطاع النقل السوري، نظرًا للخلل البنيوي في ميزان الأسطول بين البلدين. إذ يتألف الأسطول اللبناني وفقًا لتقديرات رسمية من نحو 5000 شاحنة، عشرين بالمئة منها مملوكة أيضًا من سوريين ومعظم سائقيها هم من التابعية السورية أيضًا. بينما يبلغ حجم الأسطول السوري نحو 15 ألف شاحنة. يدخل منها يوميًا إلى لبنان نحو 150 إلى 200 شاحنة. نصفها يخرج من لبنان محمّلًا بعد تنزيل بضاعته. بينما لا تسمح السلطات السورية للشاحنات اللبنانية أن تحمل البضائع من أراضيها، علمًا أن عدد الشاحنات التي تدخل إلى سوريا يوميًا يتراوح بين 80 و 100، و 20 بالمئة منها فقط تتابع الطريق بعد سوريا إلى الدول العربية الأخرى. |