المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
السبت 5 أيلول 2026 00:21:58
قد يبقى الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة على أنفاق في تلة علي الطاهر لغزاً، وبلا أجوبة واضحة حول كيفية حصوله. هل كان ذلك نتيجة اتفاق أو صفقة خفية خرج بموجبها ضباط وعناصر الحرس الثوري؟ أم نتيجة عمليات عسكرية اتبع فيها أسلوب القضم البطيء والحصار والتدمير واكتشاف بعض مداخل الانفاق وضخ غازات سامة فيها، إضافة إلى إحكام الحصار الذي قطع طرق الإمداد عن عناصر الحزب فيها. ولكن في موازاة هذا التفصيل الدقيق، لا بد من قراءة المشهد ككل. فالعملية العسكرية الإسرائيلية مستمرة في محيط علي الطاهر منذ أسابيع، وكانت تارة تعنف وطوراً يتراجع منسوبها.
وفي موازاة العمل العسكري، طُرحت مبادرات كثيرة لتجنب حصول معركة كبيرة هناك يمكن أن تؤدي إلى تجدد الحرب. في البداية عرض على حزب الله أن يخرج منها ويسلمها للجيش اللبناني لكنه رفض، بينما كانت إسرائيل توافق، وهي التي طلبت في جلسات التفاوض من الجيش أن يدخل إلى علي الطاهر ويفكك المنشأة ويسحب السلاح منها. بعدها بفترة أعيد طرح المبادرة، لكن الإسرائيليين هم الذين رفضوا.
مساران ديبلوماسي وعسكري
جاء الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة العملياتية على التلة، بالتزامن مع إعلان إسرائيل عن استعدادها للإفراج عن خمسة أسرى مدنيين لبنانيين لديها. في بيانها قالت الحكومة الإسرائيلية إن هذا كان جزءاً من المفاوضات المتعلقة بالبحث عن جثامين يهود لبنانيين قضوا خلال فترة الحرب الأهلية. هنا تشير مصادر متابعة إلى أن اسرائيل طلبت من الدولة اللبنانية القيام بعمليات بحث عن جثث أو أي أثر لهؤلاء اليهود الذين اختطفوا وقتلوا في الثمانينيات. وبحسب المعلومات، جرى البحث في مقابر اليهود في بيروت منطقة السوديكو، وفي مقابر عائدة لليهود في مدينة صيدا. تم الإفراج عن الأسرى بنتيجة ضغوط أميركية على إسرائيل لأجل إنقاذ مسار المفاوضات، بينما كان لبنان يصر على تحقيق أي مكسب بعد الجولة السابعة، وقبيل الجولة الثامنة التي سيستكمل لبنان البحث فيها بضرورة إطلاق سراح المزيد من الأسرى، في ظل عدم بروز تقدم على مستوى المناطق التجريبية أو استعداد إسرائيل للانسحاب من أي منطقة جديدة، خصوصاً تحت الضغط الإسرائيلي المتزايد على الجيش اللبناني واشتداد الحملات التي تتهم الجيش بأنه لا يقوم بسحب سلاح حزب الله كما يجب. وفي إطار البحث عن توفير ظروفٍ لعقد جولة المفاوضات الثامنة، تشير المعلومات إلى إمكانية فصلها إلى مسارين، مسار سياسي ديبلوماسي في روما، ومسار عسكري في قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي في ولاية فلوريدا.
قصة "السيطرة"
صحيح أن الإفراج عن الأسرى جاء بالتزامن مع إعلان إسرائيل السيطرة على علي الطاهر، ولكن أيضاً، جاء هذا الاعلان الإسرائيلي بعد تسريب ما حكي عن رسالة تحذير إيرانية بالتدخل عسكرياً ضد إسرائيل للدفاع عن علي الطاهر ولمنع الإسرائيليين من تنفيذ عملية عسكرية للسيطرة عليها. أراد الإسرائيليون الردّ بشكل مباشر على إيران من خلال هذه الخطوة. لكن اللافت أن دخول الإسرائيليين إلى أحد أنفاق المنشأة العسكرية حصل من دون مواجهة عسكرية كبيرة ومباشرة مع الحزب، لكن القوات الاسرائيلية استبقت ذلك بالكثير من التفجيرات والغارات الجوية، وهنا لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء.
أنفاق خفية
منذ أسابيع، تفرض إسرائيل حصاراً مطبقاً على علي الطاهر، وتحاول قطع كل طرق الإمداد. وهي اعتبرت أن الحزب أصبح محاصراً تماماً فيها، كما أن إسرائيل، وعلى مراحل عدة، نفذت غارات بمسيرات استهدف عناصر من الحزب في محيط المنشأة أو بعض الذين تحركوا خارج النفق. كما أنها أسقطت طائرة مسيّرة كان حزب الله يستخدمها لنقل عبوات مياه إلى داخل المنشأة. في المقابل، كان الحزب يؤكد في أوساطه أنه لا يزال يتمكن من التحرك بين داخل المنشأة وخارجها، وأن إسرائيل اكتشفت بعض مداخل الأنفاق والمسارات، لكن هناك مسارات أخرى لا تزال خفية عنها.
"عملية" نتنياهو
قبل حوالى الشهر، وتحديداً يوم 8 آب الفائت، خرج بنيامين نتنياهو ليعلن أن القوات الإسرائيلية نفذت عملية نوعية في علي الطاهر ولن يكشف عنها نظراً لحساسيتها الأمنية. يومها كانت العملية عبارة عن اكتشاف إسرائيل لمدخلي نفقين يؤديان إلى المنشأة العسكرية. فاستقدم الإسرائيليون روبوتات آلية عملت على ضخ غاز سام داخل النفقين، ووضع عبوات ناسفة جرى تفجيرها. حينها، وبحسب المعلومات، سقط للحزب 4 شهداء. استكمل الإسرائيليون بعدها عملية الحصار والغارات. ومن خلال النفقين، اكتشف الإسرائيليون أيضاً أن للمنشأة قنوات اتصال مع البلدات المحيطة بها، باتجاه دوحة كفررمان، أو باتجاه كفرتبنيت، ولذلك اعتمد الإسرائيليون سياسة الأرض المحروقة وتدمير كل الأبنية المحيط بالمنشأة أو المشرفة عليها، فبعض الادعاءات الإسرائيلية تحدثت عن أن بعض المنازل أو الأبنية يوجد في أسفلها مداخل نحو الأنفاق.
تفاهم؟
بعد هذه العمليات المكثفة، بدأ الإسرائيليون يتحدثون عن عدم يقينهم بوجود مقاتلين إيرانيين أو عناصر في الحرس الثوري هناك، علماً أنهم قبل ذلك كانوا قد أبلغوا الدولة اللبنانية رسمياً بذلك. هنا ثمة احتمالان، إما أن يكون هؤلاء قد تمكنوا من المغادرة عبر بعض الأنفاق السرية التي لم تكتشفها إسرائيل. وإما أن يكون قد حصل تفاهم معين أفضى إلى خروجهم.
بالنسبة للاحتمال الأول، لا بد من الإشارة إلى أن التسريبات عن عدم وجود أثر للإيرانيين داخل علي الطاهر، تزامن مع أكثر من حدث، أولاً نفذ حزب الله في حينها عملية إطلاق مسيرات ضد القوات الإسرائيلية، في اليوم التالي رد الإسرائيليون بتنفيذ غارات منها ما استهدف منزلاً في أنصار حيث ارتكبت إسرائيل مجزرة بحق عائلة، وادعى الإسرائيليون أنهم استهدفوا القيادي في الحزب علي الحاج حسن، وتحدثت التسريبات عن أن له صلة بإعطاء الأوامر للحزب بتنفيذ العملية التي استهدفت جنوداً إسرائيليين في علي الطاهر. كذلك نفذ الاسرائيليون غارة استهدفت منزلاً في دير الزهراني ما أدى إلى سقوط 3 شهداء للحزب، وقيل يومها إن هؤلاء لهم صلة بالمجموعات العسكرية الموجودة في علي الطاهر. بالتزامن مع هذه العمليات التي نفذها الحزب، قد يكون الإيرانيون تمكنوا من المغادرة، إضافة إلى إجراء عمليات تبديل. وقد يكون البعض من هؤلاء الذين استهدفوا كانوا داخل المنشأة أو يريدون التوجه إليها. أما الاحتمال الثاني، فأن يكون مرتبطاً بصفقة غير ظاهرة حتى الآن، وقد تكون مرتبطة بما أعلنته إسرائيل عن استعادة جثة جندي لها قتل في لبنان خلال معركة السلطان يعقوب في العام 1982، من دون ورود أي تفاصيل حول كيفية استعادة الجثة وإذا حصل ذلك بعملية كوموندوس أم بطريقة أخرى.
طرح كليرفيلد
بالتزامن كان الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد يخوض مفاوضات مع لبنان وإسرائيل ويقدم طرحاً يقضي بتسليم علي الطاهر للجيش اللبناني. في حينها عرض حزب الله أن يدخل الجيش إلى المنشأة من دون الخروج منها ومن دون سحب سلاحه، هذا الأمر رفضه الإسرائيليون، الذين أصروا على تفكيك البنية العسكرية الكاملة للحزب، ولم يعطوا أي ضمانات بعدم الدخول إليها. بحسب ما تجمع كل المعلومات أن الصفقة فشلت.
سيناريو الشقيف؟
قبل أسبوع تحدث السفير الأميركي ميشال عيسى عن أنه خلال يومين يفترض أن يعرف الجميع ما سيجري في علي الطاهر. ترافق التصريح مع كلام كثير عن مساع متجددة لأجل الوصول إلى تسوية تقضي بدخول الجيش إليها وخروج الحزب منها. لكن إسرائيل لم توافق على ذلك. قد لا يكون كلام السفير الأميركي مرتبطاً بحصول اتفاق معين، بقدر ما كان يتحدث عن معلومات أو معطيات حول ما ينوي الإسرائيليون فعله. لكن حتى الآن لم يعلن الإسرائيليون السيطرة الكاملة على علي الطاهر، بل أعلنوا "السيطرة العملياتية"، علماً أن المنشأة في علي الطاهر تمتد على ثلاث تلال، علي الطاهر، الدبشة، والطهرة. وبحسب المعلومات، حتى الآن، دخل الإسرائيليون إلى مدخلي نفقين من الجهة الشرقية والجنوبية لعلي الطاهر، وهم سيحاولون كشف المزيد من الأنفاق فيها، بينما حزب الله الذي لا يزال يلتزم الصمت، تفيد المعطيات لديه بأنه لا يزال موجوداً في الجهة الغربية والشمالية من المنشأة. على الأرجح، سيحاول الإسرائيليون تكرار النموذج نفسه الذي اعتمدوه في قلعة الشقيف، الدخول والخروج وعدم التثبيت لفترة، وبعدها تفخيخ الأنفاق وتفجيرها.