قضية فضل شاكر: التقرير الطبي يفتح أبواب الحرية؟

لم تعد قضية الفنان المعتزل فضل شاكر مجرد ملف جنائي تتابع أروقة المحكمة العسكرية في بيروت فصوله المعقدة، بل تحوّلت مع مرور السنوات إلى قضية رأي عام تتداخل فيها الحسابات السياسية، والقانونية، والإنسانية.

اليوم، تقف هذه القضية أمام منعطف حاسم قد يعيد رسم مسارها بالكامل، مدفوعة بتقرير طبي رسمي ومؤشرات ميدانية وقانونية تصب بمجملها، وللمرة الأولى منذ سنوات، في مصلحة "صوت الإحساس" الذي غيّبه ملجؤه الإجباري في مخيم عين الحلوة عن الأنظار، لكنّه لم يغيبه عن المشهدين الفني والقضائي.

التقرير الطبي يعيد خلط الأوراق

شهدت الجلسة الأخيرة للمحكمة العسكرية غيابًا بارزًا لشاكر، مما دفع برئيس المحكمة العسكرية، العميد وسيم فياض، إلى طلب تقرير طبي رسمي لتقييم حالته الصحية وتبيان خلفيات هذا الغياب. ووفقًا لمصدر قضائي لـ"المدن"، فإن التقرير الطبي المنتظر قد جاء حاسمًا ولصالح فضل شاكر تمامًا. إذ أكد التقرير على التدهور الملحوظ في بنيته الصحية، وشدّد على ضرورة خروجه العاجل من ظروف احتجازه الحالية ونقله إلى المستشفى لتلقي الرعاية الطبية اللازمة التي تفتقر إليها بيئة تواريه أو سجنه المحتمل.

يضع هذا التطور الصحي القضاء العسكري أمام مسؤولية إنسانية وقانونية مضاعفة، فالتقرير لا يمثل مجرد عذر لغياب، بل يشكل مستندًا قانونيًا يفرض تغيير مقاربة التعاطي مع موقفه، خصوصًا أنّ الاستمرار في تجاهل الوضع الصحي المتردي قد يترتب عليه تداعيات لا ترغب المؤسسة القضائية في تحمل تبعاتها.
 

المقلب القانوني

في المقلب القانوني للملف، تكشف المعطيات القضائية عن آلية دقيقة ومكررة في التعامل مع طلبات إخلاء السبيل المقدّمة من وكلية شاكر القانونية آماتا مبارك. ففي القضايا الأربع المرفوعة ضده، يتخذ مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، موقفًا شبه ثابت. إذ يوافق دائمًا على ثلاثة من أصل أربعة طلبات لإخلاء السبيل، فيما يترك الطلب الرابع، المتعلق بالقضية الحساسة والأكثر تعقيدًا وهي "أحداث عبرا"،  لرئيس المحكمة العسكرية ليبتَّ به.

إلا أنّ المقاربة المقابلة من رئيس المحكمة العسكرية، العميد وسيم فياض، كانت تتسم بالتشدد. وكان غالبًا ما ينتهي الأمر بردِّ الطلبات الأربعة برمّتها، مستندًا إلى حساسية ملف "عبرا" والظروف السياسية والأمنية المحيطة به.
 

عطلة نهاية الأسبوع تؤجل الحسم

حتى الساعات الحالية، لم يصدر أي قرار رسمي يبتُّ في إخلاء سبيل فضل شاكر. وبما أنَّ اليوم هو الجمعة، ومع دخول البلاد في عطلة نهاية الأسبوع الرسمية بعد الظهر، فإن محركات القضاء العسكري قد توقفت مؤقتًا. ومن المرجح جدًا وفقًا للمصدر القضائي، أن يتم البتُّ النهائي في مصير طلبات إخلاء السبيل مطلع الأسبوع المقبل، حيث ستكون الدوائر القضائية أمام خيارين لا ثالث لهما بناءً على المعطيات المستجدة.

ويقول المصدر يقول لـ"المدن" إنّ إخلاء السبيل في حال إقراره، لا يعني بالضرورة صك براءة مطلق لفضل شاكر من التهم المنسوبة إليه، بل هو إجراء قانوني يسمح باستمرار المحاكمات والشهادات وهو طليق، مع خضوعه لكافة الإجراءات القانونية والتدابير الاحترازية التي تفرضها المحكمة.
 

المؤشرات ترجح إخلاء السبيل... أو الحراسة المشددة

كل المؤشرات الراهنة المحيطة بالملف ترجّح، بنسبة كبيرة، أن تقبل المحكمة العسكرية طلبات إخلاء السبيل قريبًا جدًا. ولا يقتصر هذا الترجيح على العامل الصحي الضاغط فحسب، بل يستند إلى مراجعة شاملة لملف "أحداث عبرا". فالشهادات المتتالية التي أدلى بها العمداء والشهود في هذه القضية قدّمت تفنيدًا مهمًا للتهم. إذ نفى معظمهم تورط شاكر الفعلي المباشر في العمليات القتالية ضد الجيش، بل أثبتت الشهادات والمراسلات أنّه كان يحاول جادًا تسوية وضعه والخروج من عباءة الشيخ أحمد الأسير يومذاك، والابتعاد عن المشهد المسلح.

في المقابل، إذا ما اختارت رئاسة المحكمة التشدد مجدداً وردّت طلبات إخلاء السبيل، فإن السيناريو البديل الحتمي سيكون نقل فضل شاكر إلى أحد المستشفيات لتلقي العلاج بموجب التقرير الطبي، ولكن ضمن حراسة أمنية مشددة. الأيام القليلة المقبلة ستكون كفيلة بإنهاء هذا الغموض، وإخراج قضية فضل شاكر من عنق الزجاجة القضائي.