قمة روحية مسيحية إسلامية في دار الطائفة الدرزية: نؤيّد الدولة في سعيها لبلورة حلول تحفظ حق لبنان والانتماء الوطني يُحتّم على الجميع رفض أي فعل يُحرّض على الفتنة

عقد رؤساء الطوائف المسيحية الاسلامية قمة روحية في دار الطائفة الدرزية في فردان، بحضور البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، نائب المجلس الشيعي الاعلى الشيخ علي الخطيب، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق يوحنا اليازجي الى جانب لفيف من رؤساء الطوائف.

وفي البيان الختامي، أكد المجتمعون أن "استفراد إسرائيل بمناطق في الجنوب وبيروت والبقاع قتلاً وتهجيراً لا يعني أن المناطق الأخرى في لبنان تعيش في سلام".

وأشار البيان إلى أنّ اللبنانيين يشكلون عائلة وطنية واحدة بمصير ورسالة مشتركة، والجميع معنيّ بالدفاع عن الوطن، موضحاً أنّ مواجهة العدوان تتطلب وحدة وطنية راسخة وعميقة متجذرة في كيان الدولة ومؤسساتها، وينبثق منها القرار الوطني الحر والجامع".

ولفت إلى أنّ "الانتماء الوطني الصحيح يُحتّم على الجميع رفض أي قول أو فعل يُحرّض على الفتنة والتشرذم، واللبنانيون واحد من الشمال إلى الجنوب بتنوّعهم وتعدّدهم، مشدداً على تأييد الدولة في سعيها من أجل بلورة حلول تحفظ حقوق لبنان، وللركون إلى الجيش اللبناني للقيام بدوره في حفظ الوطن والعمل الحثيث لتحقيق وقف شامل لإطلاق النار".

وأكد المجتمعون أنه من الواجب "اعتماد الحكمة والشورى في القرارات التي تعني لبنان والإلتفاف حول الدولة لبسط سلطتها على كامل أراضيها والتصدي للعدوان الذي يُهدد وجودها."


وناشد المجتمعون في البيان "الدول الصديقة لمساندة لبنان ضدّ العدوان الصهيوني ونتمسّك برسالة لبنان الحرية والعيش المشترك لترسيخ الانفتاح بين المكونات وبناء دولة العدالة والقانون".

هذا اللقاء الروحي استُهل بكلمة شيخ عقل الدروز سامي أبي المنى الذي قال:" نحن اليوم نطلق كلمة طيّبة وموقفًا أخويًا ونتعهدّ بقطع حبل المودة الذي يصلنا ببعضنا البعض ولن ندخل ملعب السياسة إلّا لنكون الحكم العادل والناصح الأمين، وإذا قاومنا فمن أجل لبنان وإن تفاوضنا فمن أجل خلاص لبنان".

ودعا المسؤولين لإنقاذ البلد وحماية السلم الاهلي والحفاظ على الركائز الوطنية التي يقوم عليها الوطن، مناشدًا الأشقاء والأصدقاء للعمل على وقف الإعتداءات الإسرائيلية ووقف الحرب وضمان التزام إسرائيل بأي اتفاق، مضيفًا:" علينا أن نعي أن الوحدة الوطنية هي درعنا والمسؤولية الملقاة على كل منا تحتاج الى نوايا طيبة للحوار وفكر مستنير للاصلاح وحلحلة العقد".

بدوره، وصف مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان القمة الروحية الإسلامية المسيحية بأنها "قمة الأمل والتفاؤل في زمن التحديات والعواصف والكوارث".

وقال في كلمة القاها في القمة: "يقول الله عز وجل في القرآن الكريم: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" . إن مشاركة أصحاب الغبطة والسماحة هو مصدر غنى وثراء للقمة التي تعتبر صمام أمان لوحدة لبنان وشعبه واستقراره وأمانه وسلامته".

وأضاف: "لبنان يمر بظروف خطيرة وصعبة من جراء العدوان الإسرائيلي الهمجي الذي يقتل أهلنا وشعبنا في كل لبنان، وهذا يتطلب منا أن نكون موحدين متضامنين لحفظ السلم الأهلي والعيش الواحد لنستطيع مواجهة هذا العدوان الغاشم على شعبنا والتصدي له يكون بوحدة الكلمة والموقف والتكاتف".

وتابع: "كمرجعيات إسلامية ومسيحية ندعو إلى التمسك بالدولة القوية العادلة ولا غنى عنها لأن البديل سيكون الفوضى والاقتتال للداخل ونحن لسنا دعاة ذلك.

ودعا إلى الالتفاف حول مؤسساتنا، مؤكدا دعم وتأييد مواقف رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء لما فيه مصلحة لبنان واللبنانيين.


أما  رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب قال: "أود بداية أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى الأخ الكريم سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى وإلى أخوانه الكرام ،على إستضافة هذه القمة الروحية التي نرغب من خلالها إلى توجيه رسالة وحدة وطنية جامعة في هذا الظرف الدقيق الذي يتعرض له لبنان جراء العدوان الإسرائيلي الغاشم والمستمر منذ ثلاثة أشهر. لقد بلغ العدوان الصهيوني بما يرتكبه من جرائم موصوفة حدودا من الوحشية والبربرية تجاوزت كل الارتكابات والجرائم الوحشية التي ارتكبت عبر التاريخ بما لا يقاس، مدعومة بموقف أميركي فاجر، في ظل صمت عالمي يعبر عن عجز فاضح ومخجل للجم هذا العدوان، فيما يتحمل شعبنا أعباء ثقيلة لا تحتمل بفعل الممارسات الصهيونية، قتلاً وتدميرًا وتهجيرًا وإبادة، معبّرة عن عقلية عنصرية غارقة في التخلف والتوحش البعيد كل البعد عن التحضر الإنساني. وأمام هذا الواقع المؤلم نأمل أن يشكل لقاء المرجعيات الروحية اليوم صرخة حق في وجه سلطان جائر، ورسالة جامعة إلى اللبنانيين جميعا، بضرورة التضامن والتكافل صفا واحدا في مواجهة هذا العدوان".

وأشار في القمة لروحية من دار الطائفة الدرزية، إلى أن "وطننا بكامل أرضه ومكوناته في خطر شديد، إذا لم نتدارك الموقف على مختلف المستويات الرسمية والشعبية، لإنقاذ لبنان الذي ارتضيناه وطنا لجميع أبنائه. فلا يظنن أحد أنه بمنأى عن المشروع الصهيوني الهادف منذ تأسيس هذا الكيان إلى التوسع والسيطرة والهيمنة على هذه المنطقة، تدعمه قوة جائرة من وراء البحار لتحقيق مصالحها التي لم تعد خافية على أحد. ويهمنا في هذا المجال أن نجدد تأكيد الثوابت الوطنية التي لطالما نادينا بها منذ تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على يد سماحة الإمام المغيب السيد موسى الصدر الذي جعل مشروع الدولة القوية العادلة والحامية على رأس اولوياته  الوطنية".

وأضاف الخطيب: "كان لقاؤنا الجامع الأخير بكم قبل ثلاثة أشهر في الإفطار الرمضاني الذي أقامه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وقبل ساعات من بدء الحرب العدوانية الأميركية الإسرائيلية. يومها قلنا أمامكم جميعا، أننا مع مشروع الدولة ،وليس لدينا أي مشروع سياسي منفصل، لأن رأينا في الاجتماع السياسي يتنافى مع المشاريع السياسية القائمة على الاساس الطائفي والمذهبي، لأنها مشاريع عنصرية قائمة على أسس عصبية لا انسانية تتظلل المشروع الصهيوني في قيمه ومبادئه، وهي تتعارض على حد التناقض مع المبادىء الدينية القائمة على اساس القيم والمباديء الاخلاقية. وعلى الرغم من كل الآلام والجراح التي تثخن أهلنا بسهامها المسمومة على مر الزمن ، فإن ذلك لم ولن يثنينا عن التزام هذا الموقف. نحن مع مشروع الدولة القوية التي تحمي حدودها وأبناءها وتصون سيادة الوطن واستقلاله ،وتستغل كل عناصر القوة التي تمتلكها من أجل هذا الغرض. نحن مع مشروع الدولة العادلة ،دولة المواطنة التي لا تفرق بين أبنائها،لا فضل لأحد منهم على آخر، إلا بمقدار ولائه للوطن.الدولة التي تحترم الطوائف ولا تستقوي ببعضها على البعض الآخر، وانما الدولة التي تنبذ الطائفية، الدولة التي تستكمل تنفيذ اتفاق الطائف بكل مندرجاته ولا تنتقي منه ما يناسبها وتدع ما ليس كذلك. ونحن مع مشروع الدولة التي تبني للبلد اقتصادا سليما يقيم توازنا اجتماعيا كِفائيا لجميع المواطنين، ويعيد بالدرجة الأولى أموال المودعين. نحن أولاً وآخرًا مع مشروع الدولة التي تحرر الأرض من الاحتلال الإسرائيلي وتبسط سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية، وتعيد النازحين إلى مدنهم وبلداتهم وتبدأ مسيرة الإعمار وتعيد الأسرى لدى العدو إلى أحضان آبائهم وامهاتهم واسرهم".

وأكد أن "الاحتلال الإسرائيلي الذي يتوسع يوما بعد يوم في أرضنا ،ويرتكب الجرائم والمجازر من دون حسيب أو رقيب من المجتمع الدولي، لا يجوز أن يفرض علينا أمرا واقعا، وإن مقاومته مسؤولية وطنية لبنانية جامعة، وهي حق مشروع أباحته الأعراف والمواثيق والشرائع الدولية. وإن الرهان على الانسحاب الإسرائيلي من خلال المفاوضات أثبت عقمه خلال العقود الماضية سواء في لبنان أو فلسطين وأخيرا في سوريا . لذلك طالبنا ونطالب السلطة اللبنانية بمراجعة مواقفها على هذا الصعيد، وعلى الأقل رفض المفاوضات تحت النار وفي ظل التوسع في الاحتلال. وعليه فإن الحديث المفاجئ عن وقف النار يستدعي منا الحذر. فالمؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين، وقد خبرنا المعلن عنه، وهو يتحدث الشيء ونقيضه. نحن نريد وقف الحرب لكننا نريده شاملا وكاملا وممهدا لانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية بما يتيح عودة الأهالي إلى بلداتهم، وبدء مسيرة الإعمار والإفراج عن الأسرى في السجون الإسرائيلية. وعندها فقط يمكن الركون إلى مستقبل الأوضاع. إن سيل الشهداء وعمليات التدمير والتهجير الممنهجة التي يمارسها العدو الإسرائيلي ، كل ذلك يدعونا إلى وقفة وطنية جامعة تلجم مشاريع الفتنة التي يسعى إليها الاحتلال".

وختم الخطيب: "اخيرا اتوجه بالشكر الجزيل لكل اللبنانيين الذين قاموا بإيواء النازحين واستقبالهم في مناطقهم ومساعدتهم بكل وجوه المساعدة لتخفيف اعباء النزوح عنهم، واطالب الوزارات المعنية بتكثيف الجهد اللازم في هذا المجال. كما اتوجه بالشكر للدول التي وقفت الى جانب لبنان في هذه الظروف العصيبة وللبنانيين جميعا نتوجه بقول الله تعالى:" وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا".