قمة عون - ترامب: فرصة لسيادة لبنان أو اختبار مستحيل لنزع سلاح الحزب؟

تتجه الأنظار في الحادي والعشرين من تموز/يوليو الجاري إلى البيت الأبيض، حيث يستعد رئيس الجمهورية جوزف عون للقيام بأول زيارة رسمية لرئيس لبناني لواشنطن منذ عام 2009. وتأتي الزيارة الحاملة ملفات شديدة التعقيد، في وقت تترنح فيه المنطقة تحت وطأة انهيار المحادثات الأميركية - الإيرانية وتصاعد وتيرة المواجهات الإقليمية، مما يضع البلدين أمام منعطف حاسم لتحديد مستقبل العلاقات الثنائية وصياغة تفاهمات تتجاوز البروتوكولات الديبلوماسية التقليدية.

ويمثل اللقاء المرتقب بين الرئيسين جوزف عون ودونالد ترامب اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الطرفين للاستثمار وتحمل المخاطر السياسية بهدف فصل لبنان عن الفلك الإيراني، وتفكيك بنية "حزب الله" العسكرية، بما يمهد الطريق لإرساء أسس استقرار مستدام جنوب البلاد.

السياق الديبلوماسي المتأزم

تعود جذور الأزمة إلى تعثر اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بعد انخراط "حزب الله" في إسناد طهران عبر إطلاق رشقات صاروخية، قوبلت بعملية عسكرية إسرائيلية واسعة تجاوزت نهر الليطاني، مما أسفر عن تدمير قرى شاسعة، وتشريد أكثر من مليون لبناني، ودفع واشنطن إلى إطلاق مسار التفاوض المباشر.

يهدف الاتفاق الإطار المقترح إلى استعادة الدولة اللبنانية سيادتها وقرار السلم والحرب، وينصّ جوهره على موافقة بيروت على نزع السلاح غير الشرعي مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي يبدأ من مناطق تجريبية محددة.

وعلى الرغم من الدعم التاريخي الأميركي الممتد لعقود، تشير الأوساط الديبلوماسية إلى فجوة من الغموض والشكوك المتبادلة يتعيّن على الزعيمَين تبديدها:

 موقف ترامب: يقدّر ترامب شجاعة عون في رفض الخضوع للمشروع الإيراني، والعمل المشترك مع رئيس مجلس الوزراء نواف سلام لاستعادة سيادة الدولة، بدلاً من الاصطفاف خلف التحالفات التقليدية الموالية لـ طهران. ومع ذلك، لا يزال ترامب متكتماً حول خياره المفضل بين الاتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي أو إحياء "مذكرة التفاهم" مع إيران.

 الشكوك الأميركية المشروعة: يتوجس المسؤولون في واشنطن من قدرة بيروت على تنفيذ وعودها بنزع السلاح، لا سيما بعد إخفاق الجولة الأولى أواخر عام 2025 حين أعلن الجيش اللبناني سيطرته العملياتية جنوب الليطاني، ليتبين لاحقاً عدم فاعلية هذه السيطرة إثر تدمير إسرائيل بنى تحتية ومخازن ضخمة تابعة للحزب، فضلاً عن تصريحات قائد الجيش العماد رودولف هيكل الذي شدد على تقديم السلم الأهلي على المواجهة الشاملة.

ماذا يريد عون من واشنطن؟

يسعى الرئيس اللبناني خلال الزيارة إلى الحصول على التزامات أميركية واضحة وملموسة تتعدى الدعم السياسي الرمزي، وتتلخص بالمطالب الآتية:

- تطوير القدرات العسكرية: تدريب وحدة نخبوية في الجيش اللبناني قادرة على تنفيذ العمليات الخاصة وحفظ الأمن في المناطق الحساسة.

 - أمن الحدود: تأمين طائرات مسيّرة وأجهزة استشعار متطورة لضبط الحدود ومكافحة عمليات التهريب الواسعة للأسلحة والممنوعات.

-  دعم مالي واقتصادي عاجل: حشد تمويل دولي لإعادة إعمار المناطق المدمرة، ودعم رواتب عناصر الجيش المنهكة بفعل الأزمة الاقتصادية، فضلاً عن إطلاق مشاريع تنموية كبرى تسهم في إنعاش الاقتصاد اللبناني المنهار.

-الضغط على إسرائيل: ضمان انسحاب إسرائيلي كامل وتدريجي لتسهيل مهمة الجيش اللبناني في بسط سلطته الشرعية.

وما الذي يطلبه ترامب في المقابل؟

لن يقدّم الرئيس الأميركي شيكاً على بياض، إذ سيتطلب نجاح القمة تقديم عون أدلة عملية وجداول زمنية واضحة تترجم الأقوال إلى أفعال ملموسة:

1. خطة عمل تفصيلية: تقديم رؤية أمنية وسياسية محددة لكيفية تفكيك ترسانة "حزب الله" ونزع سلاحه غير الشرعي في شكل تدريجي ومستدام.

2. الالتزام الإستراتيجي للسلام: التأكيد أن استعادة السيادة وإرساء السلام يمثلان خياراً استراتيجياً لا رجعة فيه للدولة اللبنانية، وهو ما يعطي الإدارة الأميركية الحافز والوقت لحشد التأييد الدولي لدعم العهد الجديد.

3. إغلاق الباب أمام التدخل الإقليمي: يرى عون في هذه القمة فرصة لقطع الطريق نهائياً على أي طروح تدعو إلى السماح لقوات سورية بالتدخل لمحاربة "حزب الله"، لما قد يسببه ذلك من تأجيج للانقسامات الطائفية. وسيكون عليه تقديم بديل أمني محلي مقنع يثبت قدرة المؤسسة العسكرية اللبنانية بمفردها على حسم هذا الملف الشائك.

تقف زيارة عون للبيت الأبيض على مسافة قصيرة من رسم ملامح "لبنان الجديد". فبينما مهدت المحادثات الفنية الإيجابية في روما الطريق لبدء تفعيل المناطق التجريبية جنوب لبنان، يبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل ينجح عون في إبراز حجة سياسية وأمنية مقنعة تدفع ترامب إلى تقديم الدعم الإستراتيجي الكامل، أو تصطدم الطموحات اللبنانية بجدار الشكوك الأميركية والعقبات الإقليمية؟