المصدر: النهار
الكاتب: رندة تقي الدين
الجمعة 18 أيلول 2026 21:49:21
قناعة باريس أن دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، على أهميتهما في المرحلة المقبلة، لا يكفيان وحدهما لإعادة بناء الدولة. فالإصلاح المالي والمصرفي ضرورة لا تقل أهمية عن استعادة الدولة سيادتها الأمنية، ومساعدة لبنان لا يمكن تجزئتها بين دعم الجيش من جهة وإنقاذ الاقتصاد والمؤسسات من جهة أخرى.
هذه المقاربة برزت في الاجتماع الرفيع المستوى الذي عقد في باريس برئاسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس اللبناني جوزف عون، وجمع رؤساء أركان وخبراء عسكريين على أعلى مستوى للعمل على خطة دقيقة ومنظمة لإعادة انتشار الجيش اللبناني، ولا سيما في المناطق التي يتمتع فيها حزب الله بنفوذ عسكري قوي. ويكتسب الاجتماع أهمية خاصة لأنه يشكل محطة أساسية للتحضير لمرحلة ما بعد «اليونيفيل» وتفادي أي فراغ أمني مع انتهاء مهمتها.
الهدف المباشر هو تمكين الجيش من بسط سلطة الدولة على أراضيها والاستعداد لمرحلة ما بعد «اليونيفيل». وقد عرض قائد الجيش اللبناني خطة الانتشار والاحتياجات الضرورية لتنفيذها، واعتبرتها باريس واقعية وحذرة وقابلة للتنفيذ، فيما أبدى الشركاء المشاركون استعدادهم للمساهمة في دعم المؤسسة العسكرية.
لكن قناعة باريس هي أن مساعدة لبنان لا يمكن أن تتوقف عند المعدات العسكرية والتدريب والتمويل. فالدولة التي يراد تعزيز جيشها تحتاج أيضاً إلى مؤسسات قادرة على العمل، وإلى نظام مالي ومصرفي سليم، واقتصاد يستطيع استعادة قدرته على التمويل والاستثمار.
ومن هنا إصرار فرنسا على تنفيذ الإصلاحات المالية، وفي مقدمها معالجة الفجوة المالية وإقرار القانون المتعلق بها. ولا يعني ذلك أن دعم الجيش مشروط بتنفيذ هذا القانون. ففرنسا تدعم الجيش اللبناني منذ سنوات وتعتبره مؤسسة أساسية لاستقرار البلاد. لكن باريس ترى أن الدعم الدولي الأوسع للبنان يجب أن يكون متكاملاً، وألا يفصل الملف الأمني عن الإصلاح المالي والاقتصادي والمؤسساتي.
فلبنان يعيش منذ سنوات من دون قطاع مصرفي يعمل بصورة طبيعية، ورجل الأعمال اللبناني يكاد يكون محروماً من الوصول إلى الائتمان، فيما تتوافر في المقابل قنوات واسعة للأموال غير المشروعة. وقناعة باريس أن لبنان يستحق أفضل من أن يتحول إلى مكان لغسل الأموال القذرة. وكلما تأخر الإصلاح المالي والمصرفي، أصبحت استعادة الاقتصاد والمؤسسات لقدرتها على العمل أكثر صعوبة.
وقناعة باريس أيضاً أن المجتمع الدولي يستطيع مساعدة لبنان، لكنه لا يستطيع القيام بعمل اللبنانيين بدلاً منهم. فكما تقع على السلطات اللبنانية مسؤولية بسط سلطة الدولة وتنفيذ القرار 1701، تقع عليها أيضاً مسؤولية الإصلاح المالي والمصرفي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وفي الملف الأمني، تدرك فرنسا هشاشة الوضع الداخلي اللبناني. فالجيش لن يذهب إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع حزب الله، لأن لبنان لا يحتمل مثل هذه المواجهة. والمطلوب مسار واقعي وتدريجي يسمح بتوسيع انتشار الجيش وسلطة الدولة. وفي المقابل، ترى باريس أن ضعف الجيش لا يمكن أن يشكل مبرراً لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ في جنوب لبنان.
وتزداد أهمية هذه المقاربة مع اقتراب مرحلة ما بعد «اليونيفيل». فبعض المهمات التي كانت تقوم بها القوة الدولية، مثل متابعة الخط الأزرق ودعم الجيش، يمكن أن تنتقل إلى أطر أخرى أممية أو أوروبية، فيما تبقى مسألة حصر السلاح وبسط سلطة الدولة مسؤولية لبنانية بالدرجة الأولى.
لذلك تريد باريس أن تكون المرحلة التالية أكبر من مجرد مؤتمر لتقديم المساعدات إلى الجيش. المطلوب حشد دعم دولي متكامل للبنان يشمل الجيش والاقتصاد والقطاع المالي ومؤسسات الدولة.
فقناعة باريس واضحة: دعم الجيش ضروري لكنه لا يكفي، والإصلاح المالي والمصرفي ضرورة لبناء دولة قادرة على استعادة سيادتها ومؤسساتها وثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي.