المصدر: وكالات
الخميس 9 تموز 2026 12:10:30
أعاد قرار تأييد محكمة النقض حكم إدانة وزيرة الثقافة المصرية في قضية انتهاك حقوق الملكية الفكرية تسليط الضوء على كتابها المثير للجدل "كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين".
وتسبب العمل في أزمة ممتدة انتهت بتقدم الدكتورة جيهان زكي، بالاستقالة وقبولها رسميًّا، وهو كتاب صغير الحجم، يتميز برشاقة الأسلوب وجمال السرد واللغة، صدر عام 2024 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب قبل أن تتولى الوزيرة منصبها.
وواجه العمل منذ اللحظة الأولى تهمة "الاقتباس والنقل بصورة غير قانونية" عن كتاب "سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" للباحثة البارزة سهير عبد الحميد، الصادر عام 2022.
ويجمع الأخير بين التحقيق الصحفي والبحث التاريخي والسرد الأدبي، واعتمدت فيه المؤلفة على تتبع تفاصيل حياة الأديبة المصرية الرائدة قوت القلوب، مع وثائق وصحف قديمة ومصادر أرشيفية، توثق فيها مسيرة إبداعية وإنسانية لشخصية متمردة جمعت بين الاستنارة والنتاج الأدبي النسائي المبكر.
أما كتاب "كوكو شانيل وقوت القلوب"، فقد قام على فكرة المقارنة بين مصممة الأزياء الفرنسية الشهيرة كوكو شانيل والكاتبة المصرية، في محاولة رصد أوجه تشابه بين الشخصيتين من حيث المعاناة والألم والمجد، خصوصًا في التجارب العاطفية والانتقال من الهامش إلى الشهرة، والاتهامات العنيفة.
أين تكمن المشكلة؟
تكرار تناول شخصية جدلية درامية لم ينصفها التاريخ مثل قوت القلوب الدمرداشية ليس سبب المشكلة في حد ذاته، لكن الأزمة انفجرت حين اطلعت سهير عبد الحميد، على الجزء الخاص بـ "قوت القلوب" في كتاب زكي، وقالت إن الأمر لم يكن مجرد اعتماد على المصادر ذاتها، أو تكرار للمعلومات العامة، بل نقل واسع عن كتابها.
المدافعون عن الوزيرة المستقيلة أكدوا أن تناول تلك الشخصية ليس حكرًا على أحد، خصوصًا أن المصادر والمراجع متاحة للجميع، لكن منتقديها اتهموا كتابها بنسخ طريقة العرض الواردة في كتاب عبد الحميد، مع نقل فقرات وصياغات كاملة وأساليب سردية منه.
وبحسب ما أعلنته الأخيرة في تصريحات إعلامية، فإن أوجه التشابه لم تقتصر على وقائع حياة قوت القلوب، وإنما امتدت إلى العناوين، وترتيب الوقائع، وطريقة تقديم الشخصيات، والصياغات السردية، فضلًا عن الاستناد إلى مواد أرشيفية قالت إنها توصلت إليها حصريًّا خلال بحثها.
وأكدت أن كتابها لم يكن تجميعًا لمعلومات منشورة فقط، بل ثمرة جهد بحثي واستقصائي، وأن ما اعتبرته اعتداءً على حقّها لم يكن في نقل المعلومة التاريخية، وإنما في نسخ "البصمة" التي صنعت بها تلك المادة، أي طريقة الحكي والانتقال بين الوقائع واللغة التي ربطت بها التفاصيل
وقدّمت عبد الحميد شكوى إلى الهيئة المصرية العامة للكتاب، بصفتها ناشر الكتاب موضع الاتهام، قبل أن تتجه إلى القضاء.
وفي يوليو 2025، أصدرت المحكمة الاقتصادية حكمًا بإلزام جيهان زكي بدفع تعويض قدره 100 ألف جنيه، مع وقف تداول كتابها وسحبه من الأسواق، بعد الاستناد إلى تقرير لجنة ثلاثية من خبراء الملكية الفكرية، وهو ما أيَّدته محكمة النقض مؤخرًا.
في المقابل، نفت جيهان زكي، عبر محاميها، أن يكون ما حدث سرقة أدبية، وقالت: إن المعلومات الواردة في كتابها جرى جمعها من مصادر متعددة، منها الصحف والمكتبات والكتب التي تناولت حياة قوت القلوب من قبل.
وتمسك دفاعها بأن الشخصية التاريخية ليست ملكًا لكاتب بعينه، وأن تناول سيرتها لا يمكن أن يكون محل احتكار.
من هي قوت القلوب؟
عاشت قوت القلوب الدمرداشية قصة مثيرة للتأمل والدهشة، كتبت معظم إنتاجها باللغة الفرنسية، كما تعد إحدى الشخصيات النسائية اللافتة في الحياة الثقافية والاجتماعية المصرية خلال النصف الأول من القرن العشرين.
وُلدت في القاهرة سنة 1892، بحسب أغلب المصادر التاريخية، ونشأت في أسرة الدمرداش وكان والدها هو الشيخ عبد الرحيم الدمرداش، المرتبط اسمه بتأسيس "مستشفى الدمرداش" الرائد والشهير في مجال العمل الخيري والذي لا يزال يستقبل الأطفال للعلاج بالمجان حتى اليوم بوسط القاهرة.
بدأت مسيرتها الأدبية متأخرة نسبيًّا، وصدرت لها أعمال بالفرنسية تناولت عالم النساء والحريم والتحولات الاجتماعية، ومن أشهرها "حريم"، و"زنوبة"، و"رمزة.. ابنة الحريم"، و"ليلة القدر".
وأقامت صالونًا أدبيًّا في القاهرة جمع عددًا من المثقفين والكتاب، وأشاد عميد الأدب العربي طه حسين بإنتاجها الأدبي، مع ملاحظته أن كتابتها بالفرنسية حدّت من انتشار أعمالها بين القراء العرب.
توفيت قوت القلوب الدمرداشية سنة 1968، وتذكر مصادر متعددة أنَّها رحلت في أوروبا، مع اختلاف بين المصادر في تحديد الوجهة، إذ يشير البعض إلى أن الوفاة حدثت في النمسا، بينما يشير آخرون إلى أنها وقعت في ألمانيا أو إيطاليا.