المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الاثنين 10 آب 2026 07:39:39
بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وما تلاها من تجاذبات سياسية وأمنية وقضائية حول تحديد المسؤوليات، وسلطة القرار التي كانت موكلة ضبط النيترات المنفجرة ومتابعتها، أعاد التاريخ اللبناني نفسه. وكما تبشرنا المقولة، عاد "على شكل مهزلة"، وأعاد معه ثقافة "أنا عملت اللي عليي" التي أنتجت تضارب صلاحيات وفوضى إدارية وأمنية في مرفأ بيروت، أدت إلى انفجار العصر وتدمير نصف عاصمة لبنان.
فالمواد الكيميائية المنتهية الصلاحية، المكتشفة عام 2021 في معملي الزوق والجية، قد تم، بموجب قرار الحكومة اللبنانية، توضيبها لترحيلها وفق أحكام "اتفاقية بازل" إلى أوروبا لمعالجتها عبر شركة ألمانية متخصصة تعاقدت معها مؤسسة كهرباء لبنان. وتبين أن التنفيذ، حتى عام 2024، لم يتم، رغم تحذيرات الأجهزة الأمنية من خطورة بقاء المواد، وأن أحداً ما استبدل قرار الترحيل بخيار دفن المواد الكيميائية في مكبات الوطن.
تبدل المسار فجأة، وتحولت وجهة "الكيماويات"، بقدرة قادر، من أوروبا إلى مرج بسري ومطامر زحلة ـ معلقة، تعنايل عبر شركة "Tecmo" التي تولت معالجة المواد والتخلص منها محلياً.
وعليه، لم يعد السؤال يتعلق بكيفية التخلص من مواد كيميائية منتهية الصلاحية فحسب، بل بمعرفة هوية المرجعية القانونية التي نقلت خيار الترحيل إلى الخارج، الذي ظل قائماً لسنوات خلت، إلى خيارٍ جديد يقوم على المعالجة المحلية والطمر داخل لبنان.
من الترحيل إلى المعالجة المحلية
عام 2021، تعاقدت مؤسسة كهرباء لبنان مع شركة "Combilift" الألمانية المتخصصة لتوضيب المواد الكيميائية المنتهية الصلاحية تمهيداً لشحنها إلى دول أوروبية. وأكدت الشركة في تقريرها أن المواد، بعد إعادة توضيبها وفق الأصول الفنية، لا تشكل خطراً من ناحية الاشتعال أو الانفجار، فيما أشارت تقارير شعبة المعلومات والهيئة اللبنانية للطاقة الذرية إلى أن طريقة التخزين الجديدة خففت المخاطر.
وفي آذار 2022، أوضحت مؤسسة الكهرباء أن الشركة كانت تعمل على استكمال الموافقات اللازمة للتصدير. لكن الملف عاد إلى الواجهة في 2024 مع المطالبة بشحن المواد إلى الخارج والافادة من آليات التلزيم الاستثنائية في الحالات الطارئة.
بعدها، انتقل الملف إلى شركة "Tecmo"، إذ تؤكد مؤسسة كهرباء لبنان إن الشركة المتخصصة تولت التخلص من المواد وفق الأصول، ونقلت جزءاً منها إلى مطمر زحلة وإلى مرج بسري، فيما تستكمل نقل الكميات المتبقية، مؤكدة حصولها على موافقة وزارة البيئة، وأن عمليات التعبئة والوزن والنقل تمت بإشراف المديرية العامة لأمن الدولة. علماً أن مصادر متابعة أكدت أن الكميات التي نقلت إلى زحلة، لم تبدأ عملية معالجتها بعد بسبب إشكالات مرتبطة بالمطمر، إذ لم تبد الجهات المعنية فيه استعداداً لاستقبالها، ما دفع إلى طرح خيار نقلها إلى خارج لبنان.
لكن السؤال: كيف انتقلت الدولة من مسار الترحيل إلى الخارج إلى معالجة المواد داخل لبنان؟
"البيئة": مالك النفايات يقترح طريقة المعالجة
توضح وزارة البيئة أن دورها في هذا الملف تحدده أحكام قانون حماية البيئة الرقم 444/2002 والمرسوم التنظيمي الرقم 2275/2009، وأنها لا تتحمل المسؤولية عن عدم إدارة المواد الكيميائية المنتهية الصلاحية بطريقة سليمة بيئياً ضمن حدود صلاحياتها.
وبالاستناد إلى "مبدأ الملوث يدفع"، تعتبر الوزارة أن مؤسسة الكهرباء، باعتبارها مالكة هذه المواد، تتحمل المسؤولية الكاملة عن أعمال المعالجة من الناحية التقنية، بما في ذلك إدارة المخاطر والتأمين.
وتوضح أن "المواد تعود إلى مؤسسة الكهرباء، وهي التي تقترح، عبر شركة"Tecmo"، الطريقة العلمية للمعالجة. أما وزارة البيئة، بصفتها السلطة الوطنية لـ"اتفاقية بازل"، فتراجع الطريقة المقترحة وتوافق عليها أو ترفضها.
وتؤكد الوزارة أن دورها يقتصر على "تحديد الشروط البيئية لتلف المواد الفاسدة أو المنتهية الصلاحية، ومراجعة الطريقة العلمية التي يقترحها منتج النفايات أو مالكها، ثم الموافقة عليها أو رفضها"، فيما لا يقع اختيار طريقة المعالجة والمنشأة التي ستتم فيها، ضمن صلاحياتها.
وتوضح أن القاعدة، وفق "اتفاقية بازل"، تقضي بأنه في حال وجود بنى تحتية لمعالجة هذه النفايات محلياً وفقاً لأسس سليمة بيئياً، لا يتوجب تصديرها للمعالجة خارج لبنان، ويكون الحل المحلي هو الأفضل. أما في حال عدم وجود هذه البنى التحتية، فيتم التصدير للمعالجة خارج لبنان.
وفي ما يتعلق بمطمر زحلة ـ معلقة وتعنايل، تؤكد الوزارة أن موافقتها على اعتماده لمعالجة المواد الكيميائية جاءت بعد موافقة المطمر نفسه على استقبالها. لكنها تشدد على أنه "إذا تعذرت معالجة مواد أخرى فيه، فعلى مالك النفايات إيجاد حلول بديلة محلياً أو تصديرها وفق الأصول".
وتالياً، لا تعني الموافقة على استقبال بعض المواد تفويضاً لمعالجة جميع المواد الموجودة في المعملين بالطريقة نفسها، إذ يفترض أن تحدد طبيعة كل مادة وتركيبتها ومخاطرها مسار التخلص منها.
بسري... المادة التي تحولت إلى سماد
الحلقة الأكثر حساسية تتعلق بمادة Trisodium Phosphate التي تقرر تحويلها إلى سماد واستخدامها في أرض زراعية خاصة يملكها فاروق مراد.
وتقول وزارة البيئة إنها وافقت على المستند Statement Method المقدم من شركة "Tecmo" لناحية إدارة المواد الكيميائية، بما فيها تحويل هذه المادة إلى سماد، كما أكد البروفيسور روجيه لطيف في جامعة القديس يوسف.
لكنها طلبت، في الوقت عينه، رأي وزارة الزراعة في استخدامها بعد تحويلها إلى سماد، كما كلفت الوزارة إجراء الكشف الميداني للتحقق من مدى التزام الشركة طريقة المعالجة المعدة من الشركة الألمانية، وما إذا كانت المادة قد حولت فعلاً إلى سماد ثم وزعت على الأرض الزراعية.
وهنا تبدأ الفجوة بين الموافقة على المعالجة والموافقة على الاستخدام الزراعي.
الزراعة: لا موافقة على وضع المادة في التربة
وزير الزراعة نزار هاني يقدم رواية أكثر تحفظاً بشأن ما جرى في بسري. فقد تلقت الوزارة مراسلة من مخابرات الجيش للتحقق من مواد يجري وضعها في التربة، فأخذت عينة وأخضعتها للفحوص، ليتبين أن نسبة البوتاسيوم فيها مرتفعة إلى مستوى لا يسمح للتربة باستيعابها بصورة طبيعية، بما قد يؤدي إلى ترك ترسبات وآثار أخرى.
وبعد إرسال نتيجة الفحوص والرأي الفني إلى الجهة المعنية، تبين للوزارة وجود ملف بين وزارة البيئة والشركة المسؤولة عن التخلص من المواد، وأن الشركة حصلت على موافقة بيئية لاعتماد طريقة تقوم على التخفيف (Dilution)، أي إذابة المواد في المياه وخفض تركيز البوتاسيوم فيها قبل استخدامها في التربة.
لكن وزارة الزراعة أعادت تأكيد رفضها لهذه الطريقة.
ويشدد هاني على أن معالجة المواد والتخلص منها يحتاجان إلى شركات متخصصة وخبرات فنية، وأن استخدام أي سماد زراعي في لبنان يخضع لإجراءات محددة، أبرزها تسجيله لدى وزارة الزراعة وإحالته على لجنة الأسمدة، فضلاً عن ضرورة أن يكون المعمل المنتج أو الجهة المستوردة منه مسجلاً لدى الوزارة.
وبالتالي، فإن الطريقة المقترحة لا تتوافق مع الإجراءات المعتمدة في وزارة الزراعة لإدخال الأسمدة الزراعية والكيميائية.
وموقف هاني واضح: "نحن لا نتبنى هذا الموضوع ولا نقبل وضع هذه المواد في التربة".
موافقة بيئية ورفض زراعي
المفارقة أن وزارة البيئة وافقت على تحويل المادة إلى سماد، لكنها طلبت رأي وزارة الزراعة، التي تقول إنها، بعد الفحوص والكشف، لا توافق على الطريقة المعتمدة، لأنها لا تتوافق مع إجراءاتها.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود خلاف مباشر بين الوزارتين، لكنه يكشف ثغرة في ترتيب الإجراءات: هل كان أجدى حسم صلاحية المادة للاستخدام الزراعي قبل تحويلها إلى سماد ووضعها في تربة سهل بسري، أم بعد بدء المعالجة؟
فبسري ليست منشأة صناعية معزولة، بل منطقة زراعية ذات حساسية بيئية ومائية. وكان وزير البيئة السابق ناصر ياسين قد أعرب عن شكوكه في ملاءمة الموقع، أو وجود دراسة أثر بيئي، مشيراً إلى وجود مياه جوفية مرتبطة بحوض نهر الأولي الذي تعتمد عليه مشاريع لتأمين مياه الشرب العذبة.
لماذا لم تُرحَّل المواد إلى الخارج؟
يربط هاني اعتماد الطريقة المحلية بمحاولة الشركات خفض التكلفة، إذ إن ترحيل المواد يتطلب إجراءات معقدة بموجب "اتفاقية بازل".
لكن إذا كان الترحيل أكثر تكلفة، فالعدول عنه يجب أن يستند إلى دليل علمي واضح على أمان المعالجة المحلية وتوافر البنية التحتية اللازمة.
وتؤكد وزارة البيئة هذا المبدأ في حالة الأسبستوس، إذ تشدد على وجوب تصدير هذه النفايات إلى بلد تتوافر فيه البنية التحتية الملائمة لمعالجتها، لعدم وجود مطمر محلي للنفايات الخطرة. كما تشير إلى ضرورة حصر التعاقدات بالشركات المتخصصة التي تمتلك الخبرة والكفاءة وفق المعايير الوطنية والدولية.
من يملك القرار؟
تتشتت المسؤوليات في القضية. فمؤسسة كهرباء لبنان هي مالكة المواد والمسؤولة عن إدارتها ومعالجتها تقنياً. وشركة "Tecmo" هي الجهة المتعاقدة التي تولت التنفيذ. ووزارة البيئة تحدد الشروط البيئية، وتراجع طريقة المعالجة وتوافق عليها أو ترفضها، لكنها تؤكد أنها لا تختار موقع المعالجة. أما وزارة الزراعة فتملك صلاحية تقرير مدى ملاءمة المادة للاستخدام كسماد وفي الأراضي الزراعية.
لكن السؤال يبقى: من قرر إبدال الترحيل بالمعالجة داخل لبنان؟
وزير البيئة السابق ناصر ياسين يؤكد أن خطة وزارته كانت تصدير المواد إلى الخارج، على نفقة مؤسسة الكهرباء، وليس معالجتها أو التخلص منها داخل لبنان. فيما تقول "كهرباء لبنان" إن شركة "Tecmo" حصلت على موافقة وزارة البيئة قبل تنفيذ العملية.
من "بازل" إلى بسري... أين تبدل القرار؟
مؤسسة الكهرباء تقول إن جزءاً من المواد نقل إلى زحلة ومرج بسري بعد موافقة وزارة البيئة، ووزارة البيئة تقول إن مسؤولية المعالجة التقنية تقع على عاتق المؤسسة ومالك النفايات، وإنها راجعت الطريقة المقترحة ضمن صلاحياتها، فيما تؤكد وزارة الزراعة أن المادة المستخدمة في بسري لا تتوافق طريقة معالجتها مع إجراءات الوزارة، ولا توافق على وضعها في التربة.
لذلك، لا يكفي القول إن "الموافقة البيئية موجودة". المطلوب معرفة الكميات التي نقلت إلى كل موقع، ونتائج الفحوص، وهل استخدمت فعلاً في التربة، ومن وافق على الاستخدام الزراعي؟
أما السؤال، فيبقى: من، ومتى، اتخذ قرار العدول عن ترحيل المواد إلى الخارج؟
فتبديل وجهة المواد ليس تفصيلاً إدارياً، بل تغيير جوهري في المسار، الأولوية فيه للسلامة لا للتكلفة
ويعيد هذا الملف نبش أخبار المراسلات الملتبسة وفوضى المرجعية التي أدت إلى سقوط 250 ضحية في انفجار المرفأ. فهل لا تزال "حليمة" قادرة على تكرار عاداتها القديمة؟