لأول مرة بتاريخ البشرية: درجات حرارية غير مسبوقة تنتظرنا

تتوالى التقارير الخطيرة عن الانعكاسات السلبية للنشاطات البشرية على المناخ، والفشل في سلوك طريقٍ يجنب العالم درجات الحرارة الصادمة. إذ تحدث تقريرٌ جديد أعده "مكتب الأرصاد الجوية البريطانية" عن إمكانية تجاوز معدلات الحرارة المتوسط السنوي 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي، بين عاميّ 2023 و2027، في وتيرةٍ متسارعة تشكل مفاجأة لعلماء المناخ حول العالم.

سنواتٌ حارة آتية
التقرير الجديد الذي سلمه المكتب البريطاني إلى "المنظمة العالمية للأرصاد الجوية" التابعة للأمم المتحدة، يتوقع فيه العلماء أن يشهد العالم بنسبة 66 في المئة درجات قياسية خلال الأعوام الخمسة المقبلة، وذلك بسبب الغازات المسببة للاحتباس الحراري وظاهرة "النينيو" التي تحدث بشكلٍ طبيعي، والتي تشير إلى ارتفاع درجة حرارة سطح وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي.

وحسب العلماء، هناك احتمال بنسبة 98 في المئة أن تكون فترة الأعوام الخمسة المقبلة هي الأكثر دفئاً على الإطلاق، ما يعني أن العالم سيصبح أكثر دفئاً بمقدار 1.5 درجة مئوية عمّا كان عليه خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قبل أن تبدأ انبعاثات الوقود الأحفوري في الازدياد.

وقد أكد الدكتور ليون هيرمانسون، وهو أحد الخبراء الذين أشرفوا على تقرير "مكتب الأرصاد الجوية البريطانية"، أن البشرية ذاهبة في فترةٍ قياسية لتجاوز الرقم القياسي الحالي بمعدل 1.28 درجة مئوية، وبأن كل عُشر درجة من الاحترار يمكننا تجنبها سيقلل من فرص تطرف الطقس وما يتبعها من تكلفة بشرية هائلة. في حين شددّ دوج بار، كبير العلماء في منظمة "السلام الأخضر" في المملكة المتحدة، بأن التقرير يجب أن يكون بمثابة صرخة مدوية لتكثيف الجهود العالمية لمعالجة أزمة المناخ.

دق ناقوس الخطر
قدمت "المنظمة العالمية للأرصاد الجوية" منذ عام 2020 تقديراتٍ متعددة لفرص تجاوز العالم عتبة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي خلال مهلةٍ زمنية لا تتجاوز الخمس سنوات. في ذلك الوقت، أعطت توقعاتهم فرصة أقل من 20 في المئة لكسر حاجز 1.5 درجة مئوية في السنوات الخمس المقبلة. لتعود وتظهر بحلول العام الماضي، ارتفاع هذه النسبة إلى معدل 50 في المئة، ثم لتقفز إلى معدل 66 في المئة هذا العام، ما يحتّم دق ناقوس الخطر من وقوع المحظور الوشيك.

ونشير هنا بأن العلماء يستخدمون حالياً بيانات متوسط درجة الحرارة من الفترة ما بين عاميّ 1850 إلى 1900 كمقياس لمدى سخونة العالم، قبل اعتمادنا الحديث على الفحم والنفط والغاز. ولعقودٍ من الزمن، اعتقدوا أنه إذا ارتفعت درجة حرارة العالم بنحو درجتين مئويتين، فسيكون ذلك كتجاوز لعتبة التأثيرات الخطيرة. لكن في عام 2018 قاموا بمراجعة هذا التقدير بشكلٍ جذري، موضحين أن تجاوز 1.5 درجة مئوية ستكون انعكاساته كارثية على العالم.

وفي هذا الإطار، يوضح البروفيسور آدم سكيف، رئيس التنبؤات بعيدة المدى في مكتب "الأرصاد الجوية البريطانية"، خطورة ما تحمله المؤشرات المناخية الجديدة، بقوله: "لقد أوشكنا على تجاوز مؤقت قدره 1.5 درجة مئوية لمتوسط درجات الحرارة السنوية، وهذه هي المرة الأولى في تاريخ البشرية التي نقترب فيها من هذا الحد. ما قدمناه في تقريرنا إلى الأمم المتحدة يجسد أكثر الإحصائيات صراحة ووضوحاً لمستقبلنا القريب القاتم".

من جهته، علقّ الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، البروفيسور بيتيري تالاس، على هذا التقرير قائلاً بأن ما خلص إليه علماء "مكتب الأرصاد الجوية البريطانية" لا يعني بالضرورة أننا سوف نتجاوز بشكلٍ دائم مستوى 1.5 درجة مئوية المحدد في اتفاقية باريس للمناخ، والتي تشير إلى الاحترار طويل الأجل على مدى سنواتٍ عديدة. رغم ذلك، أوضح تالاس بأن منظمته ستدقّ ناقوس الخطر لأننا سنخترق المستوى 1.5 درجة مئوية على أساسٍ مؤقت وبتواترٍ متزايد.

ظاهرة النينيو
ويتوقع تقرير "مكتب الأرصاد الجوية البريطانية" أن تدفع الحرارة الإضافية التي ستجلبها ظاهرة "النينيو" إلى سطح المحيط الهادئ درجات الحرارة العالمية إلى مستوياتٍ مرتفعة جديدة العام المقبل. ذلك أنه عادةً ما تؤدي ظاهرة "النينيو" إلى زيادة درجات الحرارة العالمية في السنة التي تلي تطورها.

وعن هذه النقطة تحديداً، قال البروفيسور سكيف في مؤتمرٍ صحافي "من الجدير ذكر أن توقعاتنا التي يتم إجراؤها الآن لظاهرة النينيو التي نعتقد أنها ستتطور هذا الشتاء، تظهر اتساعاً كبيراً جداً. وقد تسبب هذه الظاهرة بعد ثلاث أو أربع سنوات من الآن ارتفاعاً في درجات الحراراة يصل إلى درجتين ونصف الدرجة".

وكما سبق وأشرنا، "النينيو" هي عبارة عن ظاهرة مناخية تحدث بشكلٍ طبيعي وتشهد ارتفاع درجة الحرارة في شرق المحيط الهادئ، ما يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل التي تؤثر على الحرارة والأمطار في جميع أنحاء العالم. وتحدث هذه الظاهرة كل ثلاث إلى سبع سنوات ويمكن أن تستمر عدة أشهر في كل مرة. وبينما تمثل "النينيو" ارتفاعاً في الحرارة، فإن نقيضها ظاهرة "اللا نينا"، تعني انخفاضاً بدرجات حرارة سطح المياه في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ عن معدلاتها العامة بأكثر من 0.5 درجة مئوية.

الانعكاسات الملموسة
أما بخصوص الانعكاسات التي سنلمسها قريباً، يقول "مكتب الأرصاد الجوية البريطانية" أن المنطقة القطبية الشمالية ستشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة على مستوى أعلى من العديد من مناطق العالم، حيث ستكون معدلاتها صادمة وأكبر بثلاث مرات من الرقم العالمي خلال فصول الشتاء الخمسة المقبلة في نصف الكرة الشمالي.

ويضيف التقرير إنّ شمال أوروبا بما في ذلك المملكة المتحدة ستشهد على الأرجح زيادة في هطول الأمطار في الفترة الممتدة من أيار إلى أيلول من كل عام، وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة.