المصدر: بالعربي
الأربعاء 10 حزيران 2026 09:17:34
بعد موجة الانتقادات والهجوم الكبير الذي تعرّض له رئيس الجمهورية جوزاف عون على خلفية مقابلته الأخيرة على قناة CNN، وما تبعها من مواقف وردود فعل وصلت إلى حدّ الهجوم السياسي والإعلامي عليه من إيران وأذرعها، عاد النقاش حول حدود التدخل الإيراني في الشأن اللبناني وعدم احترام سيادة لبنان.
ويأتي هذا السجال في مرحلة دقيقة يمر بها لبنان، في ظل توترات مستمرة وانقسامات داخلية حول مسار المفاوضات التي تقودها الدولة اللبنانية، ومحاولاتها إعادة تفعيل دور المؤسسات وترسيخ حضورها في ما يخص شؤونها السيادية.
فهل ما يتعرض له رئيس الجمهورية هو رد على مواقفه الأخيرة، أم أنه جزء من مواجهة أوسع حول مشروع الدولة في لبنان؟
في هذا الإطار، أوضح عضو المكتب السياسي في حزب الكتائب والوزير السابق البروفسور آلان حكيم، أنّ التصعيد السياسي والإعلامي الذي طاول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ولا سيما عبر منصات التواصل والجهات المرتبطة بحزب الله، ليس مستغربًا في ضوء المواقف التي عبر عنها رئيس الجمهورية أخيرًا.
واعتبر، عبر منصة "بالعربي"، أن هذه المواقف تضر أولًا بالمصالح الإيرانية التي لا تزال، بحسب رأيه، تستفيد من الساحة اللبنانية على حساب اللبنانيين، مشيرًا إلى أنّ الرئيس عون عبّر عن خطاب سيادي ووطني واضح وضع فيه مصلحة لبنان فوق أي اعتبار خارجي.
وأشار حكيم إلى أن رئيس الجمهورية أكد حق الدولة اللبنانية في احتكار قرار السلم والحرب والعمل على بناء دولة طبيعية تتمتع بسيادة كاملة، معتبرًا أنّ من الطبيعي أن تثير هذه المواقف اعتراض حزب الله الذي اعتاد، وفق تعبيره، التأثير بصورة مباشرة أو غير مباشرة في القرار اللبناني بتوجيه إيراني. وأضاف أن ما يجري يؤكد أن معركة استعادة الدولة لم تنتهِ بعد، وأنّ هناك جهات، وفي مقدمتها إيران، لا تزال تنظر إلى لبنان كساحة نفوذ وصراع مفتوحة، لا كدولة مستقلة تمتلك قرارها الحر.
وأكد أن كل المواقف الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني أو عن رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، أو أي مسؤول إيراني آخر، في ما يتعلق بالشأن اللبناني، مرفوضة بالكامل، مشددًا على أنّ لبنان دولة ذات سيادة تمتلك حكومة ومؤسسات دستورية وممثلين شرعيين، وهم وحدهم المخولون التحدث باسم لبنان وتحديد مواقفه.
ورأى حكيم أنّ المسألة لا تتعلق بموقف أو تصريح إعلامي عابر، بل تندرج ضمن نمط مستمر منذ عقود هدفه إضعاف مؤسسات الدولة كلما حاولت ممارسة صلاحياتها الطبيعية أو فرض سيادتها الكاملة. ولفت إلى أن المرحلة السابقة شهدت غطاءً سياسيًا لهذا الواقع، إلا أن الوضع اليوم مختلف، لأن الدولة اللبنانية استعادت حضورها السيادي والوطني، مشيرًا إلى أنّ المشكلة الحقيقية ليست في كلام رئيس الجمهورية، بل في رفض حزب الله ومن يدور في فلكه الاعتراف بأن الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية يجب أن تكون المرجعية الوحيدة لجميع اللبنانيين، بعيدًا عن أي مرجعيات أو وصايات خارجية.
وفي ما يتعلق بمفهوم السيادة، لفت إلى أنّ حزب الكتائب لا يتعامل مع هذا المفهوم كشعار سياسي، بل كممارسة يومية تبدأ بحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والقوى الشرعية، وحصرية القرار الاستراتيجي بيد الدولة، ورفض أي وصاية أو هيمنة خارجية على لبنان، موضحًا أنّ الحزب قدم آلاف الشهداء دفاعًا عن هذا الخيار، سواء خلال مرحلة الوجود الفلسطيني المسلح في الجنوب، أو خلال مرحلة الوصاية السورية، أو في مواجهة النفوذ الإيراني لاحقًا.
وأضاف حكيم أنّ مواقف الحزب لم تتغير يومًا تجاه أي تدخل خارجي، سواء أتى من سوريا أو إيران أو أي جهة أخرى، معتبرًا أنّ الحملات التي تستهدف رئيس الجمهورية بسبب مواقفه السيادية لا تطال شخصه فقط، بل تستهدف موقع الرئاسة والدولة اللبنانية نفسها، لأنّ رئيس الجمهورية هو رمز وحدة البلاد وحامي الدستور.
وأشار إلى أن حزب الكتائب دفع أثمانًا باهظة نتيجة تمسكه بهذه المبادئ، مستذكرًا الوزير الشهيد بيار الجميل والنائب والوزير الشهيد أنطوان غانم وغيرهما ممن دفعوا حياتهم ثمنًا لمواقفهم السياسية.
وعن كيفية مواجهة هذا التصعيد، رأى أنّ المواقف السياسية والإعلامية مهمة، لكنها غير كافية، داعيًا إلى موقف وطني جامع يدعم رئيس الجمهورية في مسار استعادة القرار اللبناني المستقل. كما شدد على ضرورة تفعيل الأدوات الدبلوماسية بوتيرة أسرع للتأكيد على رفض أي تدخل خارجي في الشؤون اللبنانية، والعمل سياسيًا وتشريعيًا على تعزيز سلطة المؤسسات الشرعية.
واعتبر حكيم أنّ حماية السيادة تبدأ من الداخل اللبناني، وأنّ اللبنانيين لا يجب أن ينتظروا نتائج المفاوضات الخارجية أو التسويات الإقليمية لبناء دولتهم. ومن هذا المنطلق، أشار إلى أن حزب الكتائب، برئاسة النائب سامي الجميل، يدعو منذ سنوات إلى مد اليد للطائفة الشيعية باعتبارها جزءًا أساسيًا وأصيلًا من الكيان اللبناني.
ولفت إلى أن عدد الشيعة في لبنان يتجاوز المليون وثلاث مئة ألف مواطن، فيما لا يمثل ناخبو حزب الله سوى جزء من هذا المكون، مشددًا على أن غالبية أبناء الطائفة لا تختصر بحزب واحد.
كما وجه دعوة خاصة إلى مناصري حركة أمل، معتبرًا أنها حزب لبناني، وأن لرئيس مجلس النواب نبيه بري مواقف معروفة كرجل دولة، داعيًا إلى الانخراط الكامل في مشروع الدولة اللبنانية. وأضاف أنّ لبنان يشكل اليوم خشبة الخلاص لجميع اللبنانيين، وأنّ الانخراط في مشروع الدولة يبقى الخيار الوحيد القادر على حماية الجميع من الانزلاق إلى مشاريع إقليمية لا تخدم المصلحة الوطنية.
ورأى حكيم أنّ من يدفع ثمن الصراعات الإقليمية على الأرض اللبنانية هم اللبنانيون أنفسهم، فيما تتحرك قوى خارجية لتحقيق مصالحها. لذلك شدد على أنّ مستقبل الشيعة اللبنانيين وأمنهم وحقوقهم، كما مستقبل جميع اللبنانيين، لا يكون عبر الارتباط بمشاريع إقليمية أو عبر استمرار السلاح خارج الشرعية، بل من خلال دولة قوية وعادلة تحمي جميع مواطنيها وتكون مؤسساتها أقوى من أي مؤسسات موازية أو غير شرعية.
وأكد أنّ المطلوب اليوم أن يكون الولاء الأول والأخير للبنان، وأن توضع كل عناصر القوة والقرار ضمن إطار المؤسسات الشرعية التي تمثل جميع اللبنانيين دون استثناء، مشيرًا إلى أنّ حزب الكتائب مستمر في هذا المسار من خلال التواصل والانفتاح على مختلف المكونات اللبنانية، انطلاقًا من قناعة بأنّ أمن اللبنانيين واحد وأنّ بناء الدولة مسؤولية مشتركة.
وعن انعكاس هذه التطورات على موقع رئاسة الجمهورية وصورة لبنان في الخارج، اعتبر حكيم أن حسن إدارة هذه المرحلة من قبل اللبنانيين سيعزز موقع الرئاسة، خصوصًا في ظل تمسك الرئيس عون بالدستور والسيادة ومطالبته باستعادة القرار الوطني، لافتًا إلى أنّ المجتمع الدولي ينظر بإيجابية إلى هذا المسار الذي يهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة ووضع حد لازدواجية القرار الأمني والعسكري.
وأشار إلى أنّ العلاقات اللبنانية - الإيرانية تشهد مزيدًا من التوتر نتيجة استمرار التدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية، معتبرًا أنّ هذا الأمر مرفوض بالكامل. كما رأى أنّ أي حديث عن السلام بين لبنان وإسرائيل يجب أن يتم عبر مفاوضات رسمية تتولاها الدولة اللبنانية وتحافظ على المصالح الوطنية والسيادة الكاملة.
وختم حكيم بالتأكيد على ضرورة التعامل مع هذه الملفات بعقلانية وبراغماتية بعيدًا عن الشعارات والارتباطات الخارجية، معتبرًا أنّ الهدف النهائي يجب أن يكون حماية لبنان واستقراره وتأمين مستقبل أفضل لأبنائه ضمن دولة سيدة حرة ومستقلة. وأضاف أن الثقة يجب أن تُمنح للمؤسسات الدستورية ولرئيس الجمهورية في أي مسار تفاوضي يهدف إلى استعادة الأراضي اللبنانية وإعادة الأسرى والنازحين وتحقيق الاستقرار، متسائلًا عن البديل عن هذا المسار إذا كان الخيار الآخر هو استمرار السلاح خارج الشرعية وربط لبنان بالمشاريع الإقليمية، باعتبار أنّ الضامن الوحيد للمصلحة الوطنية اللبنانية يبقى الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية الشرعية.
في المحصلة، يبدو أنّ الهجوم الذي يتعرض له رئيس الجمهورية جوزاف عون لا يرتبط فقط بمواقفه الأخيرة، بل يأتي في سياق أوسع يتصل بطبيعة المرحلة التي يشهدها لبنان ومحاولات الدولة استعادة حضورها وقرارها في الملفات السيادية، وهو مسار لا يناسب، بحسب حكيم، إيران وأذرعها.