لا تفاوض يعلو فوق “مفاوضنا”

عاديّ جدّاً موقف “الحزب” العدائيّ للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل. لا مفاجأة في الأمر ولا جديد في المفردات التي يستخدمها لشنّ هجماته على “الدولة”. إذا ما ذهب “الحزب” إلى احتلال بيروت عتباً على ما قرّرته تلك الدولة في أيّار 2008، فهو على الأقلّ، كرماً، يكتفي بمعاقبة بعبدا بأمر قطيعة يفترضها موجعة وأليمة.

ينضمّ الرئيس نبيه برّي إلى موسم القطيعة. يتّسق موقفه مع مقاربات “الحزب” بصفته زعيم حركة “أمل” حليفة “الحزب” في “الثنائيّ” الشهير. قد تتباين المواقف في الشكل أو المضمون، لكنّ “الأخ الأكبر”، وفق توصيف الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم، لن يقترف كبائر من نوع مفاوضات يعتبرها “الحزب” رجساً لا اقتراب منه. نعم الأمر جلل، لكنّه مرتبط، إضافة الى العناوين المبدئيّة، بخريطة توازن القوى في الداخل، كما ذلك غير المحسوم في حرب إيران.

لا تحوّل حازماً

ما يزال موقف “الثنائيّ” حتّى الآن تحت سقف القواعد السياسيّة: تصريح وموقف وبيان وسجالات تلفزيونيّة وبضع تظاهرات منضبطة العدّة والعدد والمدّة والتوقيت. لا شيء في طهران يوحي باحتمال صدور توجّهات جديدة تُرسَل إلى “الحزب” غير تلك التي ما برح يقذفها إلى لبنان منذ عقود. لا شيء في المشهد الدوليّ يوحي بتحوّل حازم يفرض انقلاباً في الرؤى والتوازنات يدفع برّي إلى قراءة العالم على نحو مستجدّ.

لا يتصرّف “الحزب” و”الحركة” إلّا بناء على قاموس تبنّته السلطة في لبنان منذ اتّفاق الطائف وجعلت منه ما أُدرج داخل نصّ الدستور. لا يقاربان المسائل إلّا بناء على مسلّمة مرجعيّة إيران النهائيّة لشيعة لبنان، وعلى ما يطلق على غالبيّتهم اسم “البيئة”. ولأن “الثنائي” يتعرّف على اختراع “الدولة” ويتعثّر في فكّ حروفها، ولذلك لا تملك البيئة التي جعلت من وصاية دمشق في مرحلة أولى سقفاً، وارتضت وصاية طهران في مرحلة لاحقة مرجعاً، إلّا ما يصدر من تصوّرات لدى الفريق الحاكم في طهران، بوصلة القرار والموقف.

يشتكي الشاكون في لبنان من ازدواجيّة قبول إيران المفاوضات المباشرة مع “الشيطان” الذي قتل الجنرال قاسم سليماني قبل أعوام والقائد عليّ خامنئيّ قبل أسابيع، واعتباره حذاقة وشجاعة، ورفض مفاوضات لبنان مع “شيطان” لا يخفي طموحه إلى تحويل لبنان، وجغرافية “البيئة” خصوصاً، إلى “غزّة جديدة”. غير أنّ الأمر ليس من الغرائب بل من واقع سطوة طهران على حزبها وإمساكها من خلاله بقرار الحرب والسلم.. والتفاوض في لبنان.

يتّفق “الثنائيّ” على الموقف الحازم ضدّ المفاوضات إلى درجة أن يذهب رئيس البرلمان إلى النأي بنفسه تماماً عمّا أكّده الرئيس عون من تنسيق كامل مع رئيسَي الحكومة ومجلس النوّاب، فيعتبر الكلام “غير دقيق إن لم نقُل غير ذلك”.

فهمت بعبدا من حدّة الردّ مأزقاً وجب تفهّمه. لا ظروف تسمح للرئيس برّي بالذهاب بعيداً في ما يمكن أن يعتبر تبايناً أو قراءة مختلفة تصدر عن ضلعَي “الثنائيّ” في قضيّة تحمل طهران مفتاح الحلّ والربط فيها، وفق ما رمى إليه اتّصال تلقّاه من وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي.

الاعتراض على أطراف التّفاوض… لا المبدأ

على الرغم من توافق نصوص رئيس الجمهوريّة مع أدبيّات “الثنائيّ” في المطالبة بإنهاء الحرب والانسحاب الإسرائيليّ من جنوب لبنان وعودة النازحين، وعلى الرغم من اشتراط عون وقف إطلاق النار قبل الشروع بأيّ مفاوضات، فإنّ خصوم التفاوض هم أعداء هذا المبدأ أيّاً كانت نتائجه، حتّى لو كان سقوطه لا يحمل حلّاً لمأساة الجنوبيّين.

الأرجح أنّ “الحزب” ليس ضدّ مبدأ التفاوض بل هو معترض على أطراف هذا التفاوض ولاعبيه. لا تخفي طهران في كلّ نصوصها الرسميّة أنّ وقف الحرب في لبنان هو بند من بنود السجال مع واشنطن، وورقة من أوراق الطاولة مع الرئيس دونالد ترامب. سعى الأخير إلى تأكيد الفصل بين الملفّين واستعجل لقاء سفيرَيْ لبنان وإسرائيل، ومباركة مسار ترعاه وزارة الخارجيّة ووزيرها ثمّ البيت الأبيض وسيّده. لكنّ إيران ستعمل حتّى الرمق الأخير على تفعيل ورقتها اللبنانيّة بعدما فقدتها في سوريا وغزّة وتترنّح في اليمن والعراق.

على هذا تنفي إيران وحزبها مقولة رئيس الحكومة نوّاف سلام إنّه “لا أحد يفاوض عن لبنان إلّا دولته”، ومقولة الرئيس عون الرافضة أن يكون لبنان “ورقة تفاوض” في الصراعات الإقليميّة. لسان حال طهران ومنابر حزبها تقول: “نحن نفكّر عنكم” ودولة الوليّ الفقيه تفاوض عنكم. حتّى إنّ طموح “الحزب” ومراجعه في طهران يكمن في أن لا تقبل إسرائيل بغير “الحزب” شريكاً للاتّفاق كما هو شريك في الحرب، تماماً كما تتقاسم إيران مع أعدائها الشراكة في الأمرين.

يعتبر الرئيس عون أنّ “أخذ البلد إلى حرب لمصلحة خارجيّة خيانة”. لكنّ “الحزب” بالمقابل يعتبر أنّ الولاء لهذا الخارج واجب إلهيّ. تكره إيران ذهاب لبنان إلى التفاوض ويكره بنيامين نتنياهو تفاوضاً أُكره عليه، وما دامت إيران تمسك بمصير مضيق هرمز وتعاند ترامب وترفض شروطه، فإنّ “الورقة” في لبنان فاعلة لتمارس مع إسرائيل فعل تخادم يجهض تفاوضاً ويقنع ترامب بما تردّده إيران من أنّ “عنوان القرار مع لبنان هو في طهران”.