المصدر: نداء الوطن

The official website of the Kataeb Party leader
الخميس 18 حزيران 2026 07:04:39
بين مسار لبناني يسعى إلى تثبيت الدولة مرجعية وحيدة للتفاوض، وآخر أصفر ملتوٍ يحاول مصادرة نتائج أي تفاهم أميركي - إيراني وتسويقها كـ"انتصار" لمحور "الممانعة"، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على اختبار سياسي مفصلي وبالغ الدقة. ففيما يفتح البيت الأبيض الباب أمام رئيس الجمهورية جوزاف عون، بما يعكس انتقال الملف اللبناني إلى مستوى سياسي أعلى، يصرّ "حزب الله" على قراءة التطورات من زاوية الساحة الملحقة بطهران.
من هنا، تأتي الإشارة الأميركية في لحظة تتزاحم فيها الرسائل بين الولايات المتحدة ولبنان وإيران. وفي هذا السياق، قال مصدر سياسي رفيع لـ"نداء الوطن"، تعليقًا على كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قمة مجموعة السبع عن زيارة للرئيس عون إلى واشنطن خلال أسبوع أو أسبوعين: "لم تصل الدعوة بعد، ولا توقيت محددا لها، إنما العمل جار على موضوع الزيارة".
وعلى الخط الأميركي من الملف اللبناني، قال مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية لـ"نداء الوطن": "كنا واضحين للغاية مع إيران بأن اتفاق وقف إطلاق النار لن يكون نمطًا واحدًا ينطبق على الجميع، إذ يتعين عليها لجم حليفها "حزب الله" وكبح جماحه. وإذا ما هاجم إسرائيل، فإن للأخيرة كامل الحق والقدرة على الرد ومهاجمة مصادر التهديد. ومن المثير للاهتمام في هذا المشهد تلك النقاشات التاريخية والمفاوضات المباشرة التي يقودها وزير الخارجية ماركو روبيو ببراعة فائقة. فقد أثمرت هذه الجهود حوارات إيجابية تحترم السيادة، حيث نرى دولتين تتمتعان بالسيادة، لبنان وإسرائيل، تناقشان قضاياهما، في حين أن إيران و"حزب الله" هما الطرفان اللذان يتدخلان في هذا المسار. لذا، نأمل أن تسهم هذه النقاشات في خلق أفق جديد للمفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وربما في توفير إطار عمل يساعد على تحسين الوضع الراهن".
لا "تكويعة" تجاه إيران
هذا الحراك المستجد يُقرأ في بيروت بوصفه فرصة لإعادة تثبيت الموقف اللبناني المنفصل عن مسار إسلام آباد، إذ أشار مصدر رسمي لـ"نداء الوطن" إلى أن كلام عون عن إيران هو تأكيد للمواقف السابقة، وأن كل ما يُشاع عن "تكويعة" ليس صحيحا. فالدولة اللبنانية تدعم أي اتفاق بين أميركا وإيران، وهي مع السلام، لكن عون أبلغ وزير خارجية إيران عباس عراقجي، في الاتصال الأخير، أن من يفاوض عن لبنان هو الدولة اللبنانية، وأن الأخيرة تدعم أي اتفاق ولا تريد العداء مع إيران. في الوقت نفسه، أبلغ عون عراقجي، أن التعامل يجب أن يكون من دولة إلى دولة، لا أن تلجأ طهران إلى خرق السيادة اللبنانية والتعاطي مع حزب مسلح. وبالتالي، فإن الموقف اللبناني من إيران لا يزال على حاله، طالما أن طهران لن تغيّر سلوكها. وعلمت "نداء الوطن" أن كل ما حاول فريق "الممانعة" ترويجه عن قبول عون أوراق اعتماد السفير الإيراني أو تسوية أوضاعه هو أخبار غير صحيحة، فموقف الدولة اللبنانية تجاه السفير غير المرغوب فيه لا يزال هو نفسه.
من جهة ثانية، علمت "نداء الوطن" أن جلسة المفاوضات التي ستُعقد في 23 حزيران، بدلا من 22، ستركز على بند وقف إطلاق النار، لأن كل الأحداث على الأرض في الجنوب تدل على أن الإسرائيلي أجرى تخفيضا للعمليات العسكرية، وليس وقفا لتلك الأعمال. وكل ما يُحكى عن أن إيران جلبت الهدنة غير واقعي، لأن وتيرة العمليات والاستهدافات الإسرائيلية لم تخفّ. وبالتالي، ستحاول الدولة اللبنانية، من خلال التفاوض، فعل شيء للانتقال إلى البنود الأخرى في المفاوضات.
توازيًا، لا تزال حالة الترقب سيدة الموقف بانتظار اتضاح حقيقة ما سيُوقَّع في جنيف بين واشنطن وطهران، في ظل تضارب التسريبات والتقديرات حول طبيعة التفاهمات المتوقعة وحدود انعكاساتها الإقليمية.
إلى ذلك، أوضح مصدر دبلوماسي لـ"نداء الوطن" أنه في حال صحّت المعطيات التي جرى تسريبها حول بنود الاتفاق، والتي سعت إيران ومعها "حزب الله" إلى تقديمها بوصفها انتصارًا سياسيًا واستراتيجيًا، فإن القراءة الفعلية ستكون مختلفة، إذ إن ما يُعلَن قد لا يعكس بصورة كاملة مضمون التفاهمات غير المعلنة أو الملحقة، والتي يُرجَّح أن تتضمن قيودًا دقيقة ومشددة على إيران، يجري تنفيذها تدريجيًا وضمن مسار هادئ يقوم على خطوات توصف بأنها مبادرات حسن نية، ولا سيما في ما يتعلق بدور الأذرع الإقليمية والبرنامج الباليستي.
وأكد المصدر أن لبنان يبقى من أبرز الساحات التي ستظهر فيها نتائج أي تفاهم محتمل، معتبرًا أنه إذا توقفت الحرب والتزمت إسرائيل بذلك، فإن المعنى السياسي لهذا التطور سيكون أن إيران التي ساهمت في إشعال الجبهة اللبنانية هي نفسها التي وافقت على إخمادها، لكن بعد أثمان باهظة تكبدها لبنان عموما وأهالي الجنوب خصوصًا، ووفق التزامات إيرانية غير قابلة للتحلل. وأضاف أن مسار التنفيذ في المرحلة المقبلة سيكون واحدًا، ويتمثل بالمسار الذي تقوده واشنطن بوساطتها في المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بعد تبنيها الأجندة اللبنانية، والتي تقوم على وقف شامل ونهائي لإطلاق النار، يلي ذلك بدء الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وعودة النازحين، ثم إطلاق مسار إعادة الإعمار الذي يرتبط عضويًا بإيجاد حل عملي ونهائي لملف السلاح.
قاسم وعمى الوقائع
على هذا الحد الفاصل بين قراءة الدولة وقراءة "الحزب"، جاء كلام الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم ليكشف جوهر الأزمة، وربما عنوان الاشتباك الداخلي المقبل. فالحزب الذي اعتاد شكر كل من تعامل مع لبنان كساحة سياسية، كما فعل يوم خرج الاحتلال الأسدي من لبنان عام 2005، يكرر اليوم شكره لولي نعمته وصاحب القرار في مساره، أي "الجمهورية الإسلامية في إيران"، التي ورّطت لبنان وبيئة قاسم نفسها في حرب مدمرة.
وحين يروّج قاسم لأي تفاهم أميركي - إيراني بوصفه انتصارًا لمحور "الممانعة"، يتجاهل أن لبنان دفع أثمانا باهظة من أمنه واقتصاده وقراه وناسه. فالحزب الذي صادر قرار فتح الجبهة يحاول اليوم مصادرة نتيجة وقفها، وتحويل الكلفة اللبنانية الباهظة إلى رصيد سياسي.
كما أن نفيه وجود مناطق "تجريبية" أو "صفراء" ليس سوى محاولة لإنكار واقع صنعه "الحزب" بيديه، حين حوّل الجنوب إلى ساحة معلّقة بين النار والتفاوض. فالمطلوب اليوم ليس خطابا مصابا بعمى الألوان، بل دعم الدولة كي تستعيد أرضها وناسها بسلاح المفاوضات المباشرة، بعدما دمّرت "بندقية الممانعة" القرى، وشرّدت أهلها، وفتحت الباب أمام وقائع ميدانية لا تُمحى بالشعارات أو بالاتكال على "الحرس الثوري"، خصوصًا أن تل أبيب لن تتساهل في هذه القضية. في هذا الإطار، وبينما واصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية، ولا سيما في منطقة النبطية وبنت جبيل، شددت مصادر البيت الأبيض لـ"نداء الوطن" على أن تل أبيب ليست طرفًا مباشرًا في الاتفاق الأميركي - الإيراني، وأن انسحابها من لبنان ليس شرطًا منصوصًا عليه فيه، وأن حقها في الرد أو "الدفاع عن النفس" يبقى قائمًا في حال استمرار أي تهديد صادر من "حزب الله" أو من الأراضي اللبنانية. وبمعنى عملي، قد يجد لبنان نفسه أمام وقف نار اسمي يخفف مستوى الحرب المفتوحة، لكنه لا يمنع استمرار الضربات الموضعية أو العمليات الإسرائيلية التي تُبرَّر بأنها استباقية أو ردعية.