لا تمديد خارج القاعدة: دفاعًا عن الجامعة اللبنانية ومبدأ التداول

الجامعة اللبنانية، بتاريخها ودورها الوطني، أكبر من أي شخص، وأعرق من أن تختزل باسم فرد مهما امتدت علاقاته أو تشعبت دوائر نفوذه. فهي مؤسسة عامة خاضعة لمبدأ الشرعية القانونية لا للاعتبارات الشخصية، ومحصّنة نظرياً بمبدأ تداول المسؤولية الذي يشكل أحد أعمدة الإدارة العامة الحديثة.

من هنا، فإن موقف الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين الرافض لتعديل قانون الجامعة بما يجيز التجديد لرئيسها، هو موقف مبدئي يحمي فلسفة القانون رقم 66/2009 وروحه القائمة على التداول الديمقراطي للمسؤولية. ويشدد الاساتذة على أن موقف رابطة الأساتذة هو دفاع عن الجامعة لا عن أشخاص، وعن القانون لا عن مصالح، وعن مبدأ التداول بوصفه أساس الحوكمة الرشيدة في المؤسسات العامة.

إشكالية التمديد: مخالفة لجوهر القاعدة القانونية

إن جوهر الإشكال لا يكمن في شخص الرئيس بحد ذاته، بل في طبيعة التعديل المقترح وما يثيره من إشكاليات دستورية وإدارية. فعندما يُطرح تعديل تشريعي يُفهم منه عملياً أنه صيغ لخدمة حالة فردية بعينها، فإننا ننتقل من منطق التشريع العام القائم على القاعدة المجردة، إلى منطق الاستثناء الشخصي، وهو ما يشكّل مساسًا خطيرًا بمبدأ المساواة أمام القانون.

ويُضاف إلى ذلك أن مختلف المواقع الأكاديمية والإدارية في الجامعة تقوم أصلاً على قاعدة واضحة تتمثل في التقيّد بمدد محددة، يليها شرط انقضاء فترة زمنية بعد انتهاء الولاية قبل أي إمكانية للتجديد، وذلك ضمانًا لمبدأ التداول وتكافؤ الفرص. كما أن هذه المواقع تمرّ عادة بآليات تعيين وانتخاب داخلية تعكس إرادة الجسم الأكاديمي، ما يجعل أي استثناء لاحق من هذا النظام العام مدخلاً لتضارب واضح بين القاعدة التي تُطبّق على الجميع وبين الاستثناء الذي يُراد تكريسه لموقع بعينه، بما يخلّ بتوازن المنظومة الأكاديمية والإدارية داخل الجامعة اللبنانية..

سؤال الكفاءة وشرعية الاستمرار

السؤال الذي يطرحه الأساتذة اليوم ليس شخصيًا بل مؤسساتيًا: ما هي المعايير الموضوعية التي تستوجب كسر القاعدة القانونية من أجل التمديد؟ لماذا لم يسعَ أيٌّ من الرؤساء السابقين إلى تعديل قانون الجامعة لضمان بقائه في المنصب ؟ هل الجامعة الوطنية، التي خرّجت أجيالاً من الأكاديميين والقيادات، عاجزة عن إنتاج رئيس بديل؟

وما هي الإنجازات التي تجعل الجامعة عاجزة عن إنتاج بديل إداري وأكاديمي من بين مئات الكفاءات التي تضمها؟ و إذا لم يتحقق الإصلاح خلال ولاية كاملة، فكيف يمكن للتجديد أن يصنع ما عجزت عنه السنوات الخمس الماضية؟

إن الإيحاء بأن الجامعة لا يمكن أن تُدار إلا بشخص واحد يتعارض مع أبسط مبادئ الحوكمة، ويشكّل انتقاصًا من قدرات الجسم الأكاديمي الذي يشكل عماد هذه المؤسسة الوطنية.

المقارنة مع الجامعات الاوروبية

إن المقارنة مع الجامعات الأوروبية ليس مقنعة، إذ إن انتخاب رئيس الجامعة هناك يرتبط عادةً بخطة استراتيجية واضحة محددة المدة، غالباً ما تكون خمسية، تُعرض مسبقاً وتُناقش وتُعتمد، ثم تُخضع للمحاسبة عند انتهاء الولاية على أساس مدى تحقق الأهداف المعلنة. في هذا الإطار، يبرز سؤال أساسي: ما هو المشروع الذي حمله رئيس الجامعة اللبنانية الحالي خلال ولايته؟ وهل تم تقديم خطة تطوير شاملة قابلة للقياس والمتابعة، أم أن الإدارة جرت في إطار معالجة يومية للملفات؟ على سبيل المثال لا الحصر هل تم التعامل مع ملف التفرغ ضمن مقاربة إصلاحية حديثة مستلهمة من نماذج الحوكمة الجامعية المتقدمة لتخرج هذا الملف من عنق الزجاجة؟ هل تم اعتماد النموذج الأوروبي في تقييم الأبحاث و ترفيع الأساتذة؟.

كما يفرض الواقع سؤالاً إضافياً لا يقل أهمية: إلى أي مدى تم احترام القوانين المرعية الإجراء ومبدأ المساواة في تطبيقها، بعيداً عن الاستنسابية، إذا كان معيار المقارنة فعلاً هو التجارب الجامعية الأوروبية القائمة على الشفافية والمأسسة لا على ملاحظات حول تدخلات تتجاوز أحياناً الأطر الإدارية المعتمدة، وانعكاس ذلك على الحرية الأكاديمية وهيبة الأستاذ؟

مخاطبة الكتل النيابية ودولة الرئيس نبيه بري

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الجامعة اللبنانية اليوم هو تحويل تعديل القانون إلى قرار سياسي ظرفي. ومن هنا، فإن الأساتذة يوجّهون نداءً واضحًا إلى الكتل النيابية كافة، وإلى دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري تحديداً، باعتباره مرجعية دستورية أساسية في انتظام الحياة التشريعية، بعدم المضي في أي تعديل يمس جوهر القانون 66/2009 أو يفتح الباب أمام تفصيل النصوص القانونية على قياس الأشخاص.

فالمؤسسة التشريعية مدعوة اليوم إلى ترسيخ مبدأ واضح: لا تجديد خارج القاعدة، ولا استثناء يمس جوهر التداول، لأن حماية الجامعة اللبنانية هي في جوهرها حماية لمفهوم الدولة نفسه.

فالجامعة اللبنانية لا تحتاج إلى تمديد ولاية، بل إلى تثبيت احترام القانون وتجديد آليات القيادة وتقديم قوانين لتطويرها ودعمها. فالمؤسسات لا تقاس بالأشخاص الذين يطيلون البقاء فيها، بل بقدرتها على إنتاج من يخلفهم بكفاءة واستمرارية.

الكبار لا يخلدون في مواقعهم، بل يخلدون حين يغادرونها تاركين وراءهم مؤسسة أقوى وأكثر استقلالاً.

أما تعديل القانون على قياس فرد، فلن يكون مجرد قرار إداري، بل لحظة اختبار حقيقية لمدى التزام الدولة اللبنانية بمبدأ أن المؤسسات تُحكم بالقانون… لا بالأشخاص.