المصدر: المدن
الكاتب: نغم ربيع
الخميس 12 آذار 2026 15:05:00
"جُرحت والدتي وأخي وزوجتي وابنتي". بهذه الجملة المقتضبة يختصر عليّ ما جرى في لحظة واحدة على شاطئ الرملة البيضاء أمس. عائلة كاملة تعرضت لإصابات جراء الاستهداف الإسرائيلي، بينما كانت بنزوحها، تظنّ أنّها ابتعدت أخيراً عن نيران الحرب.
البحر لم يحمهم
عليّ، الذي نزحت عائلته من الضاحية الجنوبية إلى الرملة البيضاء، يروي لـ"المدن" ما حدث تلك الليلة: "كنّا ساهرين على الرصيف قرب البحر. هربنا إلى البحر والرصيف لننقذ أرواحنا". يتوقف قليلاً قبل أن يُكمل بصوت مثقل: "ظنّنا أنّ المكان آمن… لكن القصف وقع بالقرب منا".
ما يقوله علي ليس تفصيلاً عابراً في ليلة من ليالي الحرب، بل صورة مكثّفة عن شعور يتوسّع في بيروت: لم يعد هناك من مكان آمن.
بدا وكأنّ الحرب لم تعد تُدار وفق أهداف عسكرية واضحة بقدر ما تُدار بمنطق الضغط الشامل. فالمشهد الذي عاشته بيروت ومحيطها يوحي بأنّ إسرائيل لم تعد تلاحق هدفاً محدّداً بقدر ما تحاول توسيع دائرة الخوف، ودفع اللبنانيين والنازحين معاً إلى الإحساس بأنّ أي مكان قد يتحوّل فجأة إلى هدف.
استهداف الرملة البيضاء
في الأيام الأخيرة، أخذ القصف منحى مختلفاً. لم يعد محصوراً في المناطق التي تُصنَّف تقليدياً ضمن بيئة "الثنائي"، بل تمدّد إلى أماكن خارج تلك الجغرافيا، وصولاً إلى قلب بيروت الإدارية: الروشة، عائشة بكّار، الحازمية، وأمس الرملة البيضاء وعرمون. الرسالة من هذا التوسّع تبدو واضحة: لا مكان خارج دائرة الاستهداف.
أحد سكان الرملة البيضاء اختصر هذا الشعور بكلمات بسيطة. يقول لـ"المدن": "نحن في بلد لم يعد أي مكان آمن فيه. إذا أرادوا، بإمكانهم أن يستهدفوا أي شخص، ومن يكون متوجداً في المكان يمكن أن يستشهد معه".
ضغط مزدوج
بهذا المعنى، يبدو أنّ إسرائيل تمارس نوعاً من الضغط المزدوج. تضغط على اللبنانيين عبر توسيع رقعة القصف إلى مناطق لم تكن ضمن بنك الأهداف سابقاً، وتضغط في الوقت نفسه على النازحين بملاحقتهم حيثما ذهبوا.
فالنازح الذي ترك منزله هرباً من القصف لم يعد يجد ملاذاً آمناً. الأماكن التي ظنّها بعيدة عن خطوط النار باتت قابلة للاستهداف في أي لحظة.
وهنا يتجاوز القصف أثره العسكري المباشر، ليُنتج أثراً اجتماعياً أكثر تعقيداً. فالنزوح نفسه يتحوّل تدريجياً إلى عبءٍ مضاعف: عبء على من يعيشونه، وعبء على المجتمعات التي تستضيفهم. ومع كل ضربة جديدة، يتعمّق الشرخ الداخلي ويزداد التوتر بين اللبنانيين على خلفية وجود النازحين في المدن والأحياء.
حتى الشاطئ، الذي بدا لكثيرين ملاذاً مؤقتاً للهروب من القصف، لم يخرج من المعادلة.
الاستهدافات العشوائية
ساعات الضاحية الجنوبية أمس مرّت ثقيلة ومريبة. غارات متقطّعة طوال الليل، بدت في كثير من الأحيان أقرب إلى ضربات عشوائية منها إلى عمليات ذات أهداف محدّدة.
ثم جاءت ضربة الرملة البيضاء لترفع منسوب القلق إلى مستوى غير مسبوق. فالقصف الذي طال خيم النازحين على الشاطئ بدا كأنه إعلان صريح بأنّ البحر نفسه لم يعد ملجأً.
ولم يكد الفجر يطلع حتى انتقلت الجغرافيا فجأة إلى عرمون، البلدة المختلطة طائفياً، التي لجأ إليها عدد من النازحين خلال الأسابيع الماضية، (لم يسمح لـ"المدن" التصوير أو معاينة المكان، لكن بدا واضحاً من الخارج أن المجمع الذي جرى استهدافه، فاخر). وانتقال الضربات بين هذه المناطق المتباعدة خلال ساعات قليلة يوحي بأنّ إسرائيل تضرب في كل مكان، وتحاول أن تحدث شرخاً في البلاد.
هكذا، بين الضاحية والرملة البيضاء وعرمون، تتبدّل الجغرافيا بسرعة. لكن الإحساس واحد: الحرب لم تعد تبحث فقط عن أهداف عسكرية، بل عن توسيع مساحة الخوف.