لبنانيون بين المازوت والحطب والبيليت: شتاء أغلى من أي وقت

بعد أول يوم عاصف على مشارف فصل الخريف في منتصف شهر أيلول الجاري، استحقّها البقاعيون. فشتاء هؤلاء قارس للأبدان، كما للجيوب. بينما الأمطار الغزيرة التي هطلت، أطلقت صفارات الإنذار بالنسبة للخزانات الخالية من المازوت منذ العام الماضي، في وقت لم يعد مجديًا تأجيل استحقاق التدفئة وتأمين مستلزماتها، خصوصًا أن الموسم صار على الباب.

منذ اللحظة الأولى لتضييق الخناق على مضيق هرمز في نهاية موسم الشتاء الماضي، قفز القلق إلى قلوب البقاعيين وعموم أهالي الجبال والمناطق الباردة في لبنان. فالتوتر الجيوسياسي الذي رافق أحداث المنطقة، انعكس سريعًا على حسابات التدفئة لديهم. وخزانات المازوت التي اعتادت الكثير من العائلات إبقاءها ممتلئة لـ"تقليعة" مستقرة في الموسم اللاحق، فرغت من محتواها مع تمدّد فصل الشتاء.

في المقابل، خابت تطلعات كثيرين حيال عودة سعر النفط إلى المستويات التي كان عليها قبل الحرب الأميركية–الإيرانية. فحلّ الشتاء على اللبنانيين ليضعهم أمام استحقاق حتمي.
شراء المازوت في حدوده الدنيا

منذ نهاية الأسبوع الماضي، سيطر صوت مضخات ناقلات المازوت إلى المنازل في معظم شوارع زحلة والبقاع. زاد الطلب فجأة، وفقًا لما يقوله أصحاب المحطات. إلا أن ما لاحظه هؤلاء هو جنوح الكثيرين لشراء برميل أو برميلين على أبعد تقدير، وهو مخزون قد لا يكفي سوى لشهر أو 40 يومًا بالحد الأقصى.

يتوقع سمير صادر، وهو أحد أصحاب المحطات في زحلة، أن البقاعيين لا يزالون يراهنون على الوقت، ويعوّلون على انخفاض سعر البرميل عالميًا كي ينخفض محليًا. وهذا، برأيه، من شأنه أن يخلق ضغطًا أكبر على طلب المازوت بعد أسابيع من انطلاق فصل الشتاء.

وينبّه صادر في المقابل إلى أن ارتفاع الطلب وانحساره في فترة زمنية قصيرة من شأنه أن يخلق أزمة في السوق، خصوصًا مع استمرار التقنين الكهربائي. لافتًا إلى أن الكميات التي تُضخ في محطات الوقود حاليًا محدودة جدًا. وفي وقت يتزايد فيه الطلب لتأمين حاجة المولدات في قرى البقاع التي لا تتغذى من خدمة شركة كهرباء زحلة، فإن أي تقنين إضافي للكميات، إذا ما ترافق مع زيادة الطلب للتدفئة وتشغيل المولدات، قد يدفع المادة إلى السوق السوداء.

غير أن التعويل على انخفاض سعر برميل النفط العالمي ليس السبب الوحيد وراء تمهل البقاعيين في ملء خزاناتهم بالكميات المطلوبة. فخلف التأجيل المستمر مشكلة إقتصادية أعمق، تعكس تقلّص القدرة الشرائية للبنانيين عمومًا. وهذا ما يجعلهم هذا العام يبحثون عن البدائل أكثر من أي وقت مضى.
1600 دولار للتدفئة

كان المازوت الرقم الأول في معادلة التدفئة البقاعية، ولا غنى عنه في معظم المنازل. لكن الحد الأدنى من الاستهلاك خلال الشتاء يصل، بحسب المستطلعين، إلى أربعة أو خمسة براميل. وهذا ما يجعل كلفة التدفئة بالمازوت هذا العام تقارب الـ1600 دولارًا.

لا تبدو هذه الفاتورة سهلة، حتى بالنسبة للعائلات التي كانت تعتبر التدفئة من المصاريف التي لا يمكن الاستغناء عنها. ولذلك، فإن الحديث المتنامي، وخصوصًا في منازل متوسطي الحال المجهزة بأجهزة "الشوفاج"، يدور حول تحوّل تجهيزاته إلى جزء من ديكور المنازل الباردة في موسم الشتاء المقبل.

تقول مانويللا إنّها وزوجها استغنيا عن "الشوفاج" منذ العام الماضي، ولم يعودا يشغّلانه إلا عند استقبال الزوار. فالتدفئة التي كانت جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، أصبحت بالنسبة إليهما نوعًا من الرفاهية. أما اليوم فتجزم أن هذا الجهاز لن يلمس الدفء أبدًا في معظم المنازل.

حتى في المنازل المجهزة بغير الشوفاج، يبدو التوجه نحو الاستغناء عن الوسائل الأكثر حرقًا للمازوت، مع ملازمة الغرف الأصغر والتي يمكن تجهيزها بوسائل التدفئة الأقل كلفة.

 

ماذا عن الحطب؟

في المقابل لم تعد المعادلة حتى بالنسبة إلى العائلات الميسورة، مرتبطة بمن يستطيع شراء المازوت، بل بمن يستطيع تحمّل كلفة تشغيل نظام التدفئة طوال الموسم.

من هنا، قد تبدو مواقد الـcheminée خيارًا آخر بالنسبة إلى هذه العائلات، لكنها تحتاج إلى الحطب، الذي ارتفع سعر الطن منه أيضًا.

بحسب إميل أبو عكر، وهو أحد العاملين في قطاع بيع الحطب، ارتفع سعر طن خشب السنديان من نحو 200 دولار العام الماضي إلى 300 دولار هذا العام. كما ارتفعت تكلفة طن الحطب القاسي، ومنه الجوز واللوز، من نحو 175 دولارًا إلى 250 دولارًا.

تحتاج الأسرة لتأمين مستلزمات تدفئتها الجانبية إلى نحو أربعة أو خمسة أطنان في الحد الأدنى خلال فصل شتاء واحد. وهذا ما يجعل كلفة التدفئة بالحطب تتراوح تقريبًا بين 1000 و1600 دولار، بحسب النوع والاستهلاك.

لكن الحطب ليس خيارًا بسيطًا بالنسبة إلى قاطني المباني. فهو يحتاج إلى تخزين ونقل وتجهيز، كما أن التعامل معه يتطلب جهدًا وعملًا لا ينسجمان بالضرورة مع نمط الحياة الذي اعتادت عليه بعض الأسر. خلافًا لما هو عليه الحال بالنسبة للعائلات القروية، التي درجت على توفير حاجتها من "شحالة" الأشجار المثمرة، سعيًا إلى تأمين مخزون من الطبيعة قد لا يكون بفعالية خشب السنديان أو الخشب القاسي، لكنه الأقل كلفة بين الخيارات المطروحة عمومًا.

 

"البيليت" يدخل السوق اللبنانية

غير أن خيارات التدفئة لهذا الموسم لا تبدو مقتصرة على المازوت أو الحطب. ففي السوق، يتنامى الحديث أيضًا عن "البيليت".

وهذا النوع من الوقود، الذي اختُبر في سوريا مع ارتفاع أسعار المحروقات وعدم استقرار التغذية الكهربائية، بدأ يجد طريقه إلى السوق البقاعية. وتوفره وتجربة استخدامه في سوريا عاملان يشجعان بعض الأسر على اختباره.

يُصنع البيليت من بقايا تشحيل الأشجار، ولا سيما الزيتون، التي تُعالج وتُضغط لتتحول إلى حبيبات تستخدم في مدافئ مخصصة. وتتناسب مدفأته بحسب العاملين في المجال، مع المنازل في القرى. 

ولكن "البيليت" وإن بدا بديلًا منطقيًا، فهو ليس حلًا بلا كلفة. بل تتراوح كلفة المدفأة المجهزة بحراق خاص للمادة بين 240 و270 دولارًا، وتحتاج إلى تجهيزات وإمدادات مناسبة داخل المنزل. ما يجعل كلفة البداية عاملًا أساسيًا في قرار الانتقال إليه. وفيما تشير الأسعار المتداولة الى أن سعر طن "البيليت" قد يصل الى نحو 370 دولارًا، فإن حساب الكلفة لا يتوقف عند سعر الطن. فالاستهلاك يرتبط بحجم المكان ومدة التشغيل ونوع المدفأة، وبالتالي لا يمكن مقارنة سعر طن "البيليت" بسعر طن الحطب، الذي يبقى ملكًا في البيوت القروية، حتى لو لحق سعره بسعر المازوت. 

 

أزمة تأمين التدفئة 

في بيوت الميسورين، بالمقابل، تتبدّل الخطط باتجاه الطاقة الشمسية والمكيفات التي تعمل على الكهرباء. وتستطيع هذه العائلات الاستفادة من الطاقة الشمسية خلال الأشهر الأقل برودة، وتأجيل تشغيل التدفئة بالمازوت حتى دخول الشتاء الفعلي. لكن هذا الحل لا يلغي الحاجة إلى المازوت، إذ تعود نفقات التدفئة إلى الواجهة مع اشتداد البرد وتراجع القدرة على الاعتماد على الطاقة الشمسية.

وهكذا، تتعدد خطط البقاعيين هذا الشتاء بين من اشترى برميلين فقط من المازوت وبقي مترقبًا لتقلبات سعره في السوق العالمية. ومن قرر أن يملأ خزانه على دفعات، ومن سيستبدل المازوت بالحطب، ومن سيجرّب "البيليت"، أو يعتمد على الطاقة الشمسية والمكيفات لأطول فترة ممكنة"

أما القاسم المشترك بين هذه الخيارات، فهو أن أياً منها لا يشكّل بديلًا كاملًا. فالتدفئة لم تعد مسألة اختيار وسيلة فحسب، بل باتت عملية حساب مستمرة للكلفة والقدرة على الاحتمال. بينما حاجة البقاعيين إلى التدفئة لا تتغير، والشتاء لا ينتظر.