لبنان الكبير بين طوباوية الحويّك وصِغَر السياسة

إعلان طوباوية البطريرك الياس الحويّك في لحظة تتجاوز البُعد الكنسي لتلامس جوهر الفكرة اللبنانية نفسها. لم يكن الياس الحويّك مجرّد بطريرك، بل كان أحد أبرز صانعي دولة لبنان الكبير، وقاد معركة سياسية وديبلوماسية انتهت بقيام الكيان اللبناني الحديث. تكمن المفارقة المؤلمة أنّ هذا الحدث التاريخي لا يزال موضع إنكار أو تشكيك لدى لبنانيّين ممَّن يستمرّون في التعامل مع لبنان الكبير بوصفه «خطأً تاريخياً»، أو بإعادة نبش خلافات مؤتمرَي وادي الحجير والساحل، أو تكرار مقولات «الوطن المستحيل»، وكأنّ أكثر من قرن من التجربة لم يكن كافياً لإقفال هذا الجدل. أخبارلبنان

ذاكرة وطنية لم تكتمل

مضى أكثر من مئة عام على سقوط الاحتلال العثماني للبنان الذي دام 4 قرون، ومع ذلك لا تزال ذهنيات لبنانية تعاني حالات مرضية في علم النفس السياسي والعيادي. ولم يُسمح للبرامج التربوية، ولا مناهج التاريخ، من مداواة هذه الجراح النفسية والذهنية، لأنّ كتابة التاريخ بقيت أسيرة قرار أحد الوزراء، قضى بتعطيلها منذ أكثر من 20 سنة، بدل أن تكون وسيلة لبناء ذاكرة وطنية جامعة. وضعت برامج التاريخ في المركز التربوي للبحوث والإنماء بإشراف الدكتور منير أبو عسلي، وصدرت في الجريدة الرسمية بإجماع وطني، هي رائدة في توجُّهاتها نحو بناء ثقافة ميثاقية وثقافة السلم الأهلي والذاكرة (مرسوم رقم 3175 تاريخ 8/6/2000، الجريدة الرسمية، عدد 27 تاريخ 22/6/2000، ص 2114 – 2195). صدرت برامج التاريخ في 6 كتب تنسجم مع المنهجية التاريخية وتوسعها وتعطيها أبعادها الإنسانية، خصوصاً لمجتمع متعدِّد البنية. يقتضي العمل بها انسجاماً مع روحيّتها، وهذا يفترض سياقاً ديمقراطياً.

المفارقة أنّ الشعب اللبناني يحظى باهتمام العالم، ويملك تقاليد راسخة في العيش معاً، وثقافة عالية نالت احترام الأصدقاء والخصوم على السواء، وتراثاً ديمقراطياً مميّزاً في الشرق، لكن لا يزال بعض أبنائه يعيش أوهام التكبير أو التصغير، وينتظر الخلاص من «أشقاء» أو «أبناء عم» أو قوى خارجية اختبرها وعانى منها في تاريخه المعاصر، بل وفي قرون سابقة. لم يكن لبنان يوماً في حاجة إلى وصاية أو باب عالي، بل دائماً إلى لبنانيّين يؤمنون به. تاريخ

اللبنانيّون ليسوا جميعاً على مستوى لبنان الكبير. فلا معنى للاستمرار في التغنّي بلبنان الكبير، ولا في الاحتفاء بطوباوية البطريرك الحويّك، إذا بقيت عقول أسيرة ذهنية مريضة، أو الشك الدائم في شرعية الكيان، أو أوهام التوسع والانكماش، بدل الإيمان بالدولة، وبلبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، الذي دفع اللبنانيون أثماناً باهظة من أجل قيامه.

وثائق مغبغب... التاريخ المنسي

من أكثر ما أهملته الكتابة التاريخية الوثائق والمطالب التي أصرَّت على استعادة الأقضية، وفي مقدّمها مراسلات المطران كيرلس مغبغب إلى رئيس الوزراء الفرنسي ووزير الخارجية ألكسندر ميللران Alexandre Millerand، عندما كان يقود المفاوضات مع تركيا بعد الحرب العالمية الأولى. لم تكن مطالبة مغبغب موقفاً فردياً، بل كانت تعبيراً عن إرادة واسعة في زحلة والبقاع، كما في سائر المناطق اللبنانية بما فيها الجنوب.

لم تنطلق هذه المطالب من اعتبارات  سياسية فحسب، بل أيضاً اقتصادية ومصلحية وحقوقية تجاهلتها معظم كتب التاريخ المدرسية. شدّد مغبغب على الاستقلال والحياد وضمّ الأقضية لتأمين مقوّمات العيش ومنع الفقر والجوع والعوز، إدراكاً منه أنّ الكيان لا يستقيم من دون مقوّمات تضمن استمراره.

اكتُشفت هذه المراسلات في إطار أعمال برنامج «الاستراتيجية الوطنية للتربية على المواطنية والعيش معاً». لم تُستثمر في المناهج أو الدراسات التاريخية، على رغم من قيمتها في إعادة قراءة نشأة لبنان الكبير. إنّ إعادة إحيائها اليوم ليست مجرّد استذكار لوثائق منسية، بل محاولة لتعزيز وعي وطني، لأنّ جهل الماضي لا يحرم المجتمع من فهم الحاضر فحسب، بل يعطّل قدرته على صناعة المستقبل.

عندما عرضتها على المؤرّخ الدكتور عصام خليفة، علّق بطرافته المعهودة قائلاً: «التفاوض كان يقوده البطريرك الماروني الياس الحويّك، لكنّ العمق كان كاثوليكياً». وهي ملاحظة تحمل، خلف روح الدعابة، دلالة عميقة على أنّ تأسيس لبنان لم يكن مشروع طائفة واحدة، بل ثمرة مساهمة شخصيات وجماعات من مختلف البيئات اللبنانية.

التلبنن مسار كل الطوائف: لبنان أولاً أخبارلبنان

لِمَن يريد استحضار سجالات وادي الحجير أو مؤتمر الساحل، تكفي العودة إلى إحدى رسائل مغبغب، التي فضحت المبالغة في الحديث عن التأييد الشعبي للأمير فيصل. يبيّن في المراسلة بأنّ تقريراً رسمياً إلى الجنرال غورو خفّض عدد المشاركين في تتويج الأمير فيصل من مئات الآلاف التي ادّعتها الدعاية إلى بضعة آلاف، فيما رأى هو، بدافع الإنصاف، أنّ العدد قد يكون بلغ 40 ألفاً، مع الإشارة إلى أنّ أكثر من نصفهم حضر بدافع الفضول أو المجاملة أو الخوف. إنّها شهادة تاريخية تذكّر بأنّ صناعة الأساطير ليست ظاهرة جديدة في منطقتنا.

يُظهر تاريخ لبنان أنّ الطوائف، مهما بلغت خلافاتها وسجالاتها، عادت في النهاية إلى التلبنن. فالطائفة السنّية سلكت مساراً تاريخياً انتهى بالاندماج الكامل في الكيان اللبناني، وانتقلت من المطالبة بالوحدة مع سوريا أو الفضاء العربي الأوسع إلى تبنّي خيار «لبنان أولاً» والتمسّك بمؤسسات الدولة، ولا يمكن التقليل من أهمّية المشهد الوطني الجامع في ساحة الحرّية عام 2005، حين توحّد اللبنانيّون، بمختلف طوائفهم، عقب استشهاد الرئيس رفيق الحريري، في واحدة من أكبر لحظات التضامن الوطني. تاريخ

كما أنّ النظرة الموضوعية إلى تطوُّر الدستور اللبناني تكشف أنّ لبننة الكيان لم تكن حكراً على المسيحيّين، على رغم من أنّهم لعبوا دوراً تأسيسياً بارزاً. إنّ محاضر اجتماعات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في زمن الإمام موسى الصدر والرئيس حسين الحسيني تكاد تشكّل، في كثير من مضامينها، الأساس الفكري لما أصبحت عليه ديباجة الدستور بعد اتفاق الطائف، من حيث العيش المشترك، والشرعية، والانتماء العربي للبنان، واعتباره وطناً نهائياً لجميع أبنائه، ورفض التقسيم والتوطين. أمّا الدروز، فقد ساهمت خبرتهم السياسية الطويلة وحكمة قياداتهم، في ترسيخ الاستقرار الدستوري، فيما دفعت الطائفة السنّية، ولاسيما في عهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما بعد استشهاده، أثماناً باهظة دفاعاً عن الدولة اللبنانية.

من هنا تبدو خطورة خروج بعض القوى على هذه الثوابت الدستورية، عبر أيديولوجيات عابرة للحدود، تقوم على مقايضة السلاح بالنفوذ، والسعي إلى الهيمنة تحت شعار «التضحيات الوطنية». والحقيقة أنّ جميع اللبنانيّين قدّموا التضحيات دفاعاً عن الوطن، وليس فريقاً دون آخر. أمّا القوى الخارجية التي تدخّلت في لبنان، فقد دفعت هي أيضاً أثماناً باهظة. الإسرائيليّون كتبوا عشرات المؤلفات عن كلفة اجتياحاتهم، والفلسطينيّون اعترفوا بأخطاء تدخّلهم في الشأن اللبناني، ونظام الأسد لم يتوقف عن تعداد «تضحياته» في لبنان. فهل يتعلّم اللبنانيّون أخيراً أنّ كلفة الإرتهان للخارج لا يدفعها إلّا الوطن؟

عبّر الإمام محمد مهدي شمس الدين عن هذه الحقيقة بأوضح العبارات عندما أكّد، قبل وفاته بشهر، أنّ طبيعة الاجتماع اللبناني تجعل لبنان خارج أي صيغة وحدوية إلى أبد الآبدين: «قلتُ وأكرّر، إنّ لبنان خارج أي صيغة من الوحدة إلى أبد الآبدين، ولو قامت جمهورية عربية من طنجة إلى عدن، فإنّ لبنان سيبقى دولة عربية أخرى».

يتزامن إعلان طوباوية البطريرك الياس الحويّك مع المئوية الأولى للدستور اللبناني، ويقف اللبنانيّون أمام مفارقة قاسية: دولة تدخل قرنها الدستوري الثاني، فيما لا تزال مهدّدة في وجودها من الداخل بفعل دويلة رديفة، واتفاقية قاهرة متجدّدة (6/2/2006)، أكثر ممّا هي مهدّدة من الخارج، ولاسيما بعد وثيقة الإطار الأخيرة التي أغلقت، للمرّة الأولى، باب الادّعاءات الإسرائيلية بالأطماع التوسعية في الأراضي اللبنانية. لذلك، فإنّ الوفاء الحقيقي للحويّك يكون باستكمال مشروعه: دولة واحدة، جيش واحد، سياسة خارجية واحدة، وولاء واحد للبنان. لبنان الكبير لا يحتاج إلى خرائط ومشاريع جديدة، بل إلى «لبنانيّين كبار»، وفق ما ورد في خطاب الجنرال غورو Grand-Libanais.