المصدر: المدن
السبت 9 أيار 2026 21:45:09
قبل أيام معدودة من استئناف المفاوضات اللبنانية الرسمية مع إسرائيل في واشنطن، بعد رفع مستوى التمثيل اللبناني عبر ترؤس السفير سيمون كرم الوفد اللبناني، عمدت إسرائيل إلى تصعيد اعتداءاتها ورفع وتيرة ضرباتها، ليتجاوز العدوان قضاء صيدا، حيث استهدفت مبنى يضم مدنيين في السكسكية، موقعاً مجزرة بحق نازحين من جبشيت، وقد وصلت الحصيلة الأولية إلى 13 شهيداً. كما طال التصعيد أطراف الشوف، عبر غارة نفذتها مسيّرة إسرائيلية أدت إلى سقوط ثلاثة ضحايا داخل سيارة مدنية عند ملتقى النهرين، بعد أقل من ساعة على استهدافين طالا أوتوستراد السعديات، ما أدى أيضاً إلى سقوط ثلاثة شهداء.
هذا التصعيد يؤشر إلى خروقات جسيمة لوقف إطلاق النار الذي سبق أن أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإلى محاولة لتحسين شروط التفاوض، بالتزامن مع انتظار الرد الإيراني على المقترحات الأميركية وارتفاع حدة المواجهة بين واشنطن وطهران، والتي تنعكس حكماً على الوضع بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي.
وعشية انطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات التي تستضيفها واشنطن، حدّدت الخارجية الأميركية جدول أعمال المحادثات، وربطت صراحة بين السيادة اللبنانية وإعادة الإعمار واستعادة الدولة سلطتها الكاملة، معلنة أن الوفدين سينخرطان في مناقشات تهدف إلى الدفع نحو اتفاق شامل للسلام والأمن، يشمل وضع إطار لترتيبات أمنية وسياسية دائمة. ويأتي ذلك في تعارض واضح مع جدول الأعمال اللبناني، الذي يركز على تثبيت وقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، وتحرير الأسرى.
وقد بدا واضحاً رفض إسرائيل مطلب لبنان بوقف إطلاق النار قبل بدء التفاوض، إذ أصرت على التفاوض تحت النار، بدليل التصعيد المتمادي واستمرار هدم المنازل على قاطنيها. وعلمت "المدن" أن الوفد اللبناني يحمل إلى واشنطن ورقة مطالب تتضمن ملفات عالقة بين لبنان وإسرائيل، وسيطلب وقف النار وتثبيت الهدنة التي تنتهي في 16 الجاري، في مقابل استمرار التعنت الإسرائيلي ورفع سقف التهديدات العسكرية والسياسية لتطال عمق بيروت، في رسائل ضغط واضحة تسبق المفاوضات وتضعها أمام تحديات معقدة.
وترجم التصعيد الإسرائيلي اليوم أيضاً عبر توسيع رقعة العدوان بوتيرة متسارعة، متجاوزاً إطار الجنوب نحو مناطق جديدة، في تصعيد يحمل أبعاداً ميدانية وسياسية متزامنة مع المفاوضات. وكان مسرح الجريمة الإسرائيلية اليوم، إضافة إلى الجنوب الذي شهد عشرات الشهداء، منطقة السعديات التي تعرضت للمرة الأولى منذ إعلان وقف إطلاق النار لعنف إسرائيلي مباشر.
وفي الجنوب، بدا المشهد وكأنه "زنار ناري" متواصل يطاول معظم القرى والبلدات، مع غارات لا تهدأ منذ ساعات الصباح. ولم تكن مجزرة السكسكية سوى نموذج لدموية المشهد في الجنوب. وترافق التصعيد مع ارتفاع كبير في أعداد الضحايا، فيما أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة أن الحصيلة التراكمية للعدوان الإسرائيلي منذ الثاني من آذار وحتى التاسع من أيار بلغت 2795 ضحية و8586 جريحاً، في ظل استمرار الغارات واتساع رقعتها.
دعم إماراتي
على مستوى الحراك السياسي المرتبط بالمفاوضات، تمثل الخرق الوحيد اليوم باتصال هاتفي بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حيث أطلع عون نظيره الإماراتي على آخر المستجدات المتعلقة بمسار الاجتماعات اللبنانية الأميركية الإسرائيلية التي تعقد في واشنطن، مؤكداً تضامن لبنان مع الإمارات في هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها المنطقة.
من جهته، أكد الشيخ محمد بن زايد وقوف بلاده الدائم إلى جانب لبنان، ودعمها للخطوات التي يتخذها لتحقيق الأمن والاستقرار واستعادة سيادته على كامل أراضيه.
زيارة سلام إلى سوريا
سياسياً أيضاً، برزت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى سوريا، في توقيت بالغ الحساسية، ضمن مسار إعادة تنظيم العلاقة بين بيروت ودمشق ومحاولة طي صفحة السنوات الماضية.
وأكد سلام في ختام الزيارة أنه "لن نسمح بإعادة استخدام لبنان منصة لإيذاء الأشقاء العرب، وخصوصاً سوريا"، مشيراً إلى أنه جرى البحث في التحديات الكبيرة التي تواجه لبنان وسوريا في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة.
كما تناولت المباحثات متابعة تنفيذ الاتفاقية الموقعة بين البلدين حول نقل السجناء المحكومين من السجون اللبنانية إلى سوريا، إضافة إلى مواصلة العمل لمعالجة قضية الموقوفين السوريين وكشف مصير المفقودين والمخفيين قسراً في كلا البلدين. وتم التشديد على ضرورة ضبط الحدود اللبنانية السورية ومنع التهريب بكل أشكاله، فضلاً عن تنظيم المعابر وتسهيل حركة العابرين والبضائع.
كذلك، جرى البحث في ملفات اقتصادية، من بينها الصادرات ورسوم الترانزيت واستجرار الكهرباء، وتم الاتفاق على تعزيز التعاون في مجالات المواصفات والمعايير الفنية والفحوصات المخبرية، إلى جانب الإسراع في إطلاق مجلس أعمال لبناني سوري مشترك يعقد اجتماعه الأول في دمشق خلال الأسابيع المقبلة.
دعم أوروبي للبنان
وفي إطار المتابعة الأوروبية للأوضاع اللبنانية، شددت سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان ساندرا دو وال، لمناسبة "يوم أوروبا"، على أن "الاتحاد الأوروبي يؤكد مجدداً التزامه تجاه لبنان وشعبه"، مرحبة بالقرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية والحكومة لاستعادة سلطة الدولة وتأكيد سيادة لبنان ووحدة أراضيه.
وقالت إن التزام الاتحاد الأوروبي تجاه لبنان "راسخ سياسياً ومالياً"، من خلال دعم الأجهزة الأمنية والوزارات ومؤسسات الدولة التي تقدم الخدمات الأساسية، فضلاً عن المجتمع المدني والقطاع الخاص.
وأضافت أن الاتحاد الأوروبي يشجع الخطوات الإصلاحية المتخذة، ويبقى ملتزماً بدعم هذه العملية، بما في ذلك تقديم الدعم المباشر لمؤسسات الدولة المنفذة للإصلاحات.
فضل الله: لن نقبل العودة إلى ما قبل 2 آذار
على مستوى حزب الله، سجل موقف سياسي لعضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله، الذي أشار إلى أن "هناك مرحلة جديدة لا تقبل فيها المقاومة العودة إلى ما قبل 2 آذار"، مؤكداً أنه "عندما يعتدي العدو على قرانا وضاحيتنا، فعليه أن يتوقع رداً".
وأضاف أن "المفاوضات المباشرة مع العدو هي مسار تنازلي"، مؤكداً دعم الحزب للمفاوضات غير المباشرة التي تحقق الأهداف عبر إجراءات محددة، معتبراً أن "المسار الجاري في واشنطن يشكل خروجاً عن الطائف والدستور".
وجزم فضل الله بأن "المقاومة ستسقط الخط الأصفر والحزام الأمني، وستعود مرفوعة الرأس إلى القرى والبلدات".
ميدانياً، واصل حزب الله عملياته العسكرية، معلناً استهداف تجمعات وآليات إسرائيلية في بلدة رشاف، إضافة إلى استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية بصاروخ أرض-جو في أجواء العباسية.
في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إنه رصد طائرة مسيّرة مفخخة أطلقها حزب الله قرب الحدود اللبنانية من دون وقوع إصابات، فيما أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن المسيّرة التي سقطت في المطلة من دون تفعيل صفارات الإنذار كانت تحمل عبوة متفجرة وأليافاً بصرية.
استهداف الذاكرة والتراث
وفي موازاة استهداف البشر والحجر، يواصل العدوان استهداف الذاكرة والتراث الجنوبي. فقد دمّر الطيران الإسرائيلي منزل الراحل عبد العزيز الزين في بلدة كفرمان، وهو من البيوت التراثية البارزة في الجنوب اللبناني، ما أدى إلى القضاء على واحد من أجمل المعالم التراثية في المنطقة، في مشهد يعكس حجم الخسارة الثقافية والإنسانية التي يخلفها العدوان، إلى جانب الدمار المادي.