لبنان بين الدولة وساعة الصفر الإيرانية

لم يعد التدخل الإيراني في لبنان يحتاج إلى كثير من الشرح أو الأدلة. رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف قالها بكل وقاحة: "أتواصل مع مقاتلي حزب الله على الخطوط الأمامية". وفي توقيت شديد الدلالة، بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي أعقبت التفاهم الإيراني–الأميركي، يصبح هذا الكلام أكثر من مجرد تصريح؛ إنه رسالة بأن طهران لا تزال تعتبر الجبهة اللبنانية ورقة جاهزة للاستخدام متى احتاجت إليها.

فحين تكون إيران تحت التهديد والحصار، وتتعثر التفاهمات، ثم يخرج مسؤول إيراني ليعلن أن اتصالاته بمقاتلي حزب الله مستمرة، يصبح السؤال مشروعاً: هل يستطيع لبنان أن يضمن أن الحرب لن تُفتح على أرضه بقرار لبناني، أم أن هناك من يحتفظ بإمكانية إعطاء إشارة الساعة الصفر من الخارج؟

المفارقة أن هذه الرسالة الإيرانية تأتي فيما تحاول الدولة اللبنانية فتح طريق للخروج من الحرب. الدولة تفاوض في روما، تبحث عن تثبيت الاستقرار، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة النازحين، وفتح باب إعادة الإعمار. وفي المقابل، يخرج نعيم قاسم ليهدد بنسف المفاوضات التي تجريها الدولة، فيما يلوّح رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أحمد قبلان بـ"الغضب الشيعي الشعبي".
أي أننا أمام معادلة شديدة الوضوح: الدولة تحاول أن تجلب الاستقرار، فيما يعمل حزب الله وحلفاؤه على تعطيل الطريق إليه.
والأكثر عبثية أن حزب الله يتلطى خلف اتفاق تشرين الثاني 2024، مع أن الاتفاق الذي وافق عليه ينص على حصرية حمل السلاح بالجهات الرسمية اللبنانية، ويحدد بوضوح الجهات الشرعية المخولة حمله على كامل الأراضي اللبنانية. فكيف يمكن الاستناد إلى اتفاق ينص على حصرية السلاح بالدولة لتبرير بقاء سلاح خارج الدولة؟

المسألة، إذاً، لم تعد قضية سلاح فقط، بل قضية قرار. لأن السلاح يصبح أخطر عندما يكون قادراً على تنفيذ قرار يأتي من خارج الحدود. وعندما يقول قاليباف إنه يتواصل مع مقاتلي حزب الله على خطوط المواجهة، فإن التدخل الإيراني لا يعود افتراضاً سياسياً، بل يصبح أمراً معلناً.

ومن هنا، فإن تعطيل مفاوضات الدولة والتهليل لتعثرها ليس بطولة ولا انتصاراً. نتيجته المباشرة هي إبقاء الحرب مفتوحة، وتأخير الانسحاب الإسرائيلي، وإبقاء الجنوبيين في دائرة النزوح، وتأخير إعادة الإعمار. والأسوأ أن حزب الله، من حيث النتيجة لا من حيث النية، يتحول إلى حليف موضوعي لنتنياهو: فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت لدى إسرائيل الذريعة للقول إن الخطر مستمر وإن الانسحاب الكامل غير ممكن.

ألم نتعلم شيئاً من غزة؟ الأميركي والإسرائيلي يقولان بوضوح إن إعادة إعمار القطاع لا يمكن أن تنفصل عن مسألة السلاح. والرسالة نفسها تُوجّه إلى لبنان: لا استقرار دائم، ولا إعادة إعمار حقيقية، ولا انسحاب إسرائيلي كامل، ما دام السلاح خارج سلطة الدولة.

فما هو رهان حزب الله؟ إعادة لبنان إلى دوامة 2023 نفسها؟ إبقاء البلد جبهة مفتوحة كلما احتاجت إيران إلى ورقة جديدة؟

لقد عرفنا معنى "الإسناد": إسناد بشار الأسد، ثم إسناد السنوار، ثم إسناد علي خامنئي. واليوم، وبعد تصريح قاليباف، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام إسناد رابع، يُراد للبنان أن يدفع ثمنه، وربما هذه المرة في معركة إيران المقبلة حول مستقبلها وقيادتها؟
لبنان لا يحتمل حرباً جديدة ولا يستطيع أن يبقى جبهة احتياطية لإيران.

المطلوب اليوم ليس أكثر من استعادة القاعدة الطبيعية لأي دولة: قرار الحرب والسلم في بيروت، لا في طهران؛ والسلاح بيد الدولة، لا بيد حزب؛ والمفاوضات التي تخوضها الدولة تكون لحماية لبنان، لا لتعطيلها خدمةً لحسابات الخارج.

لأن الدولة التي تحاول أن تنقذ لبنان من الحرب لا يجوز أن تُسقطها القوى التي تريد إبقاء لبنان جاهزاً للحرب.

لذلك، متى يستعيد لبنان قراره؟