المصدر: وكالات
الأحد 28 حزيران 2026 15:32:25
في وقت تسعى فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تثبيت اتفاق السلام مع إيران واحتواء تداعيات الحرب الأخيرة في المنطقة، برز لبنان كأحد أكثر الملفات تعقيداً داخل المقاربة الأمريكية الجديدة، بعدما تحول من قضية منفصلة إلى عنصر رئيس في المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران.
ويعكس هذا التطور اعتماد الإدارة الأمريكية مسارين تفاوضيين متوازيين للتعامل مع الملف اللبناني؛ الأول يقوده وزير الخارجية ماركو روبيو بالتنسيق المباشر مع الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، بينما يتولى نائب الرئيس جيه دي فانس إدارة المفاوضات مع إيران، التي أصبحت تشمل مستقبل نفوذ طهران في لبنان ودور حزب الله ضمن أي تسوية إقليمية شاملة.
وتشير مجلة "ذا أتلانتيك" إلى أن هذا التداخل وضع الولايات المتحدة أمام سابقة دبلوماسية تتمثل في التفاوض بشأن دولة واحدة عبر مسارين مختلفين يقودهما مسؤولان يحملان رؤيتين سياسيتين وأسلوبين متباينين، رغم تأكيد البيت الأبيض أن الجهود تصب في استراتيجية واحدة يقودها الرئيس ترامب.
مساران مختلفان لهدف واحد
بحسب التقرير، يعتمد روبيو مقاربة دبلوماسية تقليدية ترتكز على تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية وإعادة بناء العلاقة الرسمية بين بيروت وتل أبيب، بما يسمح بانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوبي لبنان ويقود تدريجياً إلى تقليص نفوذ حزب الله.
وفي المقابل، يتبنى فانس نهجاً أكثر براغماتية يقوم على التفاوض المباشر مع إيران، سعياً لإقناعها بتقليص دعمها لحزب الله مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية وإحراز تقدم في اتفاق السلام بين واشنطن وطهران.
وتوضح المجلة أن إيران أصرت خلال استئناف المفاوضات على إدراج لبنان ضمن جدول الأعمال، بعدما اعتبرت أن أي اتفاق دائم لا يمكن أن يتجاهل الملفات الإقليمية المرتبطة بحلفائها؛ وهو ما دفع واشنطن إلى قبول إدراج الملف اللبناني ضمن مذكرة التفاهم الموقعة الأسبوع الماضي.
لبنان حاضر في الاتفاق مع إيران
وتلفت "ذا أتلانتيك" إلى أن الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية المؤلفة من 14 بنداً تشير إلى لبنان 3 مرات، وتنص على أن الاتفاق النهائي سيؤكد "الإنهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان".
وبموجب هذا المسار، تتفاوض واشنطن مع إيران حول تقليص دعمها لحزب الله، في حين لا تشارك الحكومتان اللبنانية و الإسرائيلية بصورة مباشرة في تلك المحادثات.
وترى المجلة أن هذا الواقع منح طهران نفوذاً تفاوضياً إضافياً؛ إذ أصبحت قادرة على استخدام تأثيرها على حزب الله كورقة تفاوض في أي اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة.
تقدم دبلوماسي بقيادة روبيو
في المقابل، حقق مسار روبيو تقدماً بعد توقيع مسؤولين من لبنان وإسرائيل إطاراً تفاوضياً في وزارة الخارجية الأمريكية عقب 4 أيام من المحادثات.
ويتضمن الاتفاق، بحسب التقرير، وضع آلية منظمة لتعزيز سلطة الدولة اللبنانية والعمل على نزع سلاح حزب الله، إضافة إلى تقديم مساعدات إنسانية بقيمة 100 مليون دولار بالتنسيق مع الأمم المتحدة، إلى جانب دعم إضافي للقوات المسلحة اللبنانية.
وأكد روبيو عقب توقيع الاتفاق أن واشنطن تدرك حجم التحديات، مشيراً إلى أن تنفيذ هذه الخطوات لن يكون سهلاً في ظل تعقيدات المشهد اللبناني.
رؤية فانس أكثر تشدداً
أما فانس، فتقول المجلة إنه يتعامل مع الملف من منظور مختلف؛ إذ يسعى إلى إنهاء الحرب بسرعة باعتبارها إحدى أولويات الرئيس ترامب، كما يتوقع من إسرائيل القبول بنتائج المفاوضات مع إيران وعدم عرقلة المسار السياسي.
وكان نائب الرئيس الأمريكي انتقد في تصريحات سابقة الانتقادات الإسرائيلية للمفاوضات، معتبراً أن الولايات المتحدة تمثل الحليف الأقوى لإسرائيل، وأن من مصلحة الحكومة الإسرائيلية دعم الجهود الأمريكية بدلاً من مهاجمتها.
مخاطر قد تعرقل الاتفاق
وترى "ذا أتلانتيك" أن فرص نجاح المسارين لا تزال تواجه تحديات كبيرة؛ إذ يستمر الجيش الإسرائيلي في تنفيذ عمليات داخل الأراضي اللبنانية، بينما يؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن القوات الإسرائيلية ستبقى في جنوبي لبنان طالما اقتضت المتطلبات الأمنية ذلك.
وفي المقابل، يبقى احتمال استئناف هجمات حزب الله أو تجدد المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل من أبرز العوامل التي قد تؤدي إلى انهيار المفاوضات بأكملها.
كما زادت الهجمات الأخيرة التي شهدها مضيق هرمز من الضغوط على الاتفاق، بعدما اعتبرتها واشنطن انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وردت عليها بضربات استهدفت مواقع عسكرية إيرانية.
تحذيرات من تهميش الدولة اللبنانية
وينقل التقرير عن محللين إقليميين أن إدراج لبنان ضمن المفاوضات الأمريكية الإيرانية قد يمنح طهران نفوذاً أكبر في مستقبل البلاد، بدلاً من الحد من دورها.
وترى الباحثة مونا يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن نجاح أي تسوية يتطلب تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية، محذرة من أن التفاوض مع إيران حول لبنان من دون مشاركة الحكومة اللبنانية قد يؤدي إلى إضعافها ومنح حزب الله وإيران دوراً أكبر في رسم مستقبل البلاد.
وتصف يعقوبيان المشهد اللبناني بأنه يشبه "مكعب روبيك"، حيث يرتبط نجاح أي حل بقدرة جميع الأطراف على التوفيق بين شبكة معقدة من التوازنات السياسية والأمنية والإقليمية.
اختبار جديد للدبلوماسية الأمريكية
وتخلص "ذا أتلانتيك" إلى أن إدارة ترامب تحاول تحقيق اتفاق أوسع وأكثر شمولاً من الاتفاق النووي المبرم عام 2015، إلا أن توسيع جدول المفاوضات ليشمل لبنان والاستقرار الإقليمي والملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب البرنامج النووي الإيراني، يجعل المهمة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
وترى المجلة أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان المساران اللذان يقودهما فانس وروبيو قادرين على تحقيق تسوية متماسكة، أم أن تشابك الملفات الإقليمية سيقود إلى تعثر جهود السلام مجدداً.