المصدر: نداء الوطن
الكاتب: عماد الشدياق
الاثنين 27 نيسان 2026 07:20:16
بعد إقفال مضيق هرمز نتيجة الحرب ضد إيران، هرعت دول الخليج للبحث عن بدائل في الشطر الغربي من الشرق الأوسط. كان يُفترض أن يكون لبنان في قلب تلك الخطط، إلّا أنه استُثني لأسباب سياسية تتعلّق بالصراع الدائر بين "حزب اللّه" وإسرائيل.
استبعاد لبنان من خرائط الطاقة والممرّات البريّة التي كشفت عنها الولايات المتحدة، والتي نشرها أحد المواقع العربية لم يكن سهوًا. بل نتيجة حتميّة للتصوّر الأميركيّ الذي يرى في جارتنا الشرقية، سوريا، "نقطة عبور" جديدة، وممرًّا بريًا بديلًا للنفط والغاز والبضائع، بعد إغلاق مضيق هرمز.
المنطقة تُعاد هندستها لوجستيًا من حول لبنان وليس عبره. بينما نحن هنا نتقاتل على شكل التفاوض مع إسرائيل (مباشر وغير مباشر) أو مذهب أعضاء الوفد المفاوض، تُطرح الخطط حول موانئ بانياس وطرطوس، وخط كركوك - بانياس، وكذلك خط قطر - تركيا، أو خط الغاز العربي... وحتى الوصل السككي بين السعودية وتركيا عبر سوريا بوصفها عناصر في بنية إقليمية جديدة. وسط هذا كلّه، يغيب لبنان عن المشهد، باستثناء إشارة هامشية خجولة إلى إمكان تمديد خط كركوك - بانياس، عبر طرابلس وفي مرحلة لاحقة لا أحد يعلم متى تبدأ.
خطة من أربعة عناوين
هذا الغياب ليس عرضيًّا، بل سياسيًّا بامتياز. فالوثيقة الأميركية تنظر إلى سوريا على أنها المسار البري الوحيد القابل للحياة بين العراق والخليج من جهة، وبين تركيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، رابطة الجدوى الاقتصادية بالأمن الجيوسياسي في ظلّ اختناق هرمز والبحر الأحمر.
الورقة تضع خطة من أربعة عناوين رئيسية، وهي: إحياء خط كركوك - بانياس، وإعادة طرح خط غاز قطر - تركيا، تفعيل خط أذربيجان - حلب، وتمديد خط الغاز العربي نحو تركيا وأوروبا، مع برنامج تأهيل للطاقة السورية بين 2026 و 2030. حتى حينما تمّ ذكر لبنان، يأتي ذكره بوصفه احتمال تمديد لاحق وليس كشريك أصيل في تلك البنية الطاقوية الجديدة.
النفط السوري بـ 3 مراحل
تقوم الخطة على إعادة تأهيل قطاع الطاقة السوري على 3 مراحل، تمتدّ من عام 2026 إلى عام 2030.
- المرحلة الأولى ترتكز على صيانة منخفضة الكلفة للآبار وإصلاحات أساسية للبنية التحتية، بهدف رفع الإنتاج بنحو 45 ألف برميل يوميًا، مع زيادة إنتاج الغاز عبر اتفاقيات فنية مدعومة سعوديًا.
أمّا المرحلة الثانية، بين 2027 و 2028، فتشمل تركيب أنظمة حقن المياه وتقنيات الرفع الاصطناعي، وتأهيل خطوط الأنابيب، وتحديث مصافي حمص وبانياس، إلى جانب إطلاق مصفاة جديدة بطاقة 150 ألف برميل يوميًا.
في المرحلة الثالثة، بين 2028 و 2030، يُفترض أن يُعاد تطوير الحقول بالكامل، وتُبنى بنية استكشاف بحري، ويُطرح خط لتصدير الغاز إلى تركيا وأوروبا، بما قد يعيد القدرة الإنتاجية إلى نحو 380 ألف برميل يوميًا أو أكثر.
4.5 مليارات على 3 سنوات
في ما يتعلّق بالممرّات نفسها، تضع الخطة في الواجهة مشروع إحياء خط كركوك - بانياس الممتدّ من العراق عبر سوريا إلى المتوسط، بكلفة تقارب 4.5 مليارات دولار، وعلى مدى 36 شهرًا، وبسعة قد تصل إلى 1.5 مليون برميل يوميًا عبر خطين جديدين (مع حديث عن إمكان تمديده لاحقًا إلى ميناء طرابلس) وإلى جانبه يعود مشروع خط غاز قطر - تركيا، الذي يربط الخليج بالأردن وسوريا فتركيا ثمّ أوروبا، كجزء من مسار يتجاوز الإمدادات الروسية.
كذلك يبرز خط غاز أذربيجان – كيليس - حلب الذي دخل الخدمة، ليغذي محطة حلب الحرارية، مع إمكان تمديده جنوبًا نحو مدينة حمص المتاخمة لشمال شرق لبنان، فضلًا عن فكرة إحياء خط الغاز العربي الممتدّ من مصر عبر الأردن وسوريا باتجاه تركيا وأوروبا. أي أننا أمام شبكة برية وبحرية متكاملة يجري رسمها لسوريا وما حولها، بينما يبقى لبنان خارج الصورة.

همزة وصل الشرق بالغرب... تضيع
هنا تكمن الحقيقة الأشدّ قسوة: البلد الذي يملك شاطئًا طويلًا على البحر المتوسط المقابل للقارة الأوروبية، ومرفأي بيروت وطرابلس مع موقع طبيعي رابط بين الشرق والغرب، لم يعد يُنظر إليه دوليًا كممرّ موثوق أو منصّة مستقرة.
فالممرّات الكبرى لا تبحث فقط عن الجغرافيا، بل عن الضمانة. إذ يبدو أنه لا يكفي أن يكون لديك ميناء، بل يجب أن يكون لديك قرار سياديّ واحد، وحدود مضبوطة، ومخاطر عسكرية قابلة للتقدير، ودولة قادرة على تقديم تعهد طويل الأمد للمستثمرين ولشركات التأمين والمشغلين الدوليين... وهذه العناصر تحديدًا، هي ما يفتقده لبنان اليوم.
سلاح "حزب اللّه" عقدة لبنان
من هنا، يصبح الصراع نتيجة سلاح "حزب اللّه"، عاملًا مباشرًا في تفسير هذا الاستبعاد. فحين يبقى قرار الحرب والسلم خارج الاحتكار الكامل للدولة، وحين يتحوّل الجنوب إلى ساحة اشتباك مفتوحة مع إسرائيل، يصبح لبنان في نظر المستثمرين ومهندسي الممرات مشروع مخاطرة لا مشروع عبور. ولهذا تُفضّل الخطط الأميركية والدولية المرور عبر سوريا وتركيا، حتى مع كلّ تعقيداتهما، بديلًا عن الرهان على لبنان.
المفارقة أن لبنان كان يمكن أن يكون، في أي بيئة سياسية طبيعية، أحد أبرز المستفيدين من إعادة رسم خرائط الطاقة في شرق المتوسط والمشرق العربي. مرفأ طرابلس تحديدًا كان تاريخيًا مرشحًا منطقيًا لأيّ امتداد غربي لخطوط النفط العراقية نحو المتوسط. ومرفأ بيروت، برغم جراح الانفجار، ما زال يمتلك وزنًا في التجارة اللبنانية.
الخسارة هنا ليست فقط خسارة رسوم عبور أو أعمال شحن أو تخزين، وإنما خسارة أعمق، تشمل ضياع فرصة بناء هوية اقتصادية جديدة للبنان بعد انهيار العام 2019. فمنذ تلك الأزمة، والبلد يبحث عن أيّ رافعة تعيد تعريف اقتصاده خارج نموذج الريع المالي المنهار.
كان يمكن لموقعه البحري، ولمرافئه، ولخدماته اللوجستية، أن تكون جزءًا من هذا التعريف الجديد (محطة خدمات، وطاقة، ونقل، وتأمين، وصيانة، وتمويل إقليمي) لكن ما يجري اليوم هو العكس تمامًا.
منطقة الشرق الأوسط تعيد بناء ممرّاتها، بينما نحن، في لبنان، نتراجع. ونوضع على الهامش في انتظار أن يُحسم السؤال حول السلاح والسيادة.