لبنان: رهان على الرّياض لوقف الحرب… بدل الأوهام

يتجلّى التخبّط الإيرانيّ حيال جهود إنهاء الحرب في قول الشيء ونقيضه، ثمّ التصرّف المعاكس. تتّهم حملة طهران الإعلاميّة إدارة دونالد ترامب بالخضوع لتحريض بنيامين نتنياهو وشعاره “إسرائيل أوّلاً”. لكنّها في ردودها المتشدّدة على مطالب واشنطن تُسلّم نتنياهو ورقة تحريض على ترامب. يستنسخ “الحزب” في لبنان هذه الازدواجيّة، فيرهن مأساته بالتفاوض الأميركيّ الإيرانيّ، ويخوِّن رئيسَي الجمهوريّة والحكومة، ثمّ يستعيد التواصل معهما. لكنّه تخبُّطٌ يعيق المساعي العربيّة والتصميم السعوديّ على إخراج البلد من الحفرة.

تعطي إيران إشارات الإقبال على صفقة مع أميركا مقابل تجميد الأخيرة “مشروع الحرّيّة” القاضي بمحاصرة طهران في مضيق هرمز، لعلّ ذلك يشجّعها على تقديم تنازلات في التفاوض على الملفّ النوويّ. ثمّ يعود “حرس الثورة” إلى التحكّم بمضيق هرمز لخنق الاقتصاد العالميّ، ويتراجع المفاوض الإيرانيّ عن تقديم التنازلات… ويعود إلى لعبة كسب الوقت.

مواكبة “الحزب” للمناورات الإيرانيّة

واكب “الحزب” طهران في ازدواجيّة المواقف. في بيانه الأخير في 4 أيّار طالب الأمين العامّ الشيخ نعيم قاسم السلطة السياسيّة باعتماد أربعة أسس مقابل ذهابها إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل على إنهاء عدوانها: استمرار المقاومة، التفاهم الداخليّ، الاستفادة من الاتّفاق الإيرانيّ – الأميركيّ، والاستفادة من أيّ تحرّك دوليّ أو إقليميّ يضغط على العدوّ، وأيّد الدبلوماسيّة “التي تؤدّي إلى إيقاف العدوان، ودبلوماسيّة التفاوض غير المباشر”.

يتحايل “الحزب” على جوهر المشكلة لإبقاء ورقة لبنان بيد طهران. يدرك جيّداً أنّ “الاستفادة من أيّ تحرّك دوليّ” لا تعني سوى استخدام جهود الدول المعنيّة مع إدارة ترامب، الوحيد القادر على لجم نتنياهو. ليست إيران القادرة على ذلك. هدف الأخيرة من ربط لبنان بالحرب التي تخوضها مع أميركا وإسرائيل إبقاء “الحزب” مستنفراً ضدّ إسرائيل للتخفيف عن جبهة قتالها على أرضها.

السّعوديّة ودول صديقة تُقنع ترامب لا إيران  

يعرف قاسم جيّداً أنّ المملكة العربيّة السعوديّة كانت الأساس في إقناع الرئيس الأميركيّ بأن يفرض على نتنياهو وقف النار في 16 نيسان الماضي. ومع إعلان رئيس الحكومة نوّاف سلام قبل 3 أيّام العمل على وقف النار قبل جلسة التفاوض المباشر الخميس المقبل في واشنطن، اتّجهت الأنظار مجدّداً إلى الدور السعوديّ في هذا الصدد، إضافة إلى جهود دول أخرى، منها قطر والفاتيكان الذي ترجّح الأوساط المتابعة أن يكون طرح هذا المطلب على وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو الأسبوع الماضي.

جهود كهذه هي الأقدر على ترجيح المطلب اللبنانيّ، مقابل مطالبة نتنياهو لترامب في مكالمته معه ليل الأحد الماضي بألّا يشمل لبنانَ أيُّ اتّفاق على وقف الحرب مع إيران. يريد مواصلة عمليّات القتل والتدمير والتجريف التي يقوم بها جيشه بالتزامن مع المفاوضات لإبقائها تحت النار ولفرض أمر واقع على التفاوض.

يصبح شعار قاسم عن الوحدة الداخليّة دعوة لسائر الأفرقاء اللبنانيّين ولرجال السلطة إلى الالتحاق بالتحاقه هو بطهران. لكنّه يدرك جيّداً أنّ السواد الأعظم من اللبنانيّين يقف إلى جانب مبادرة الرئيس جوزف عون للتفاوض المباشر، وجزء واسع من أبناء الطائفة الشيعيّة أخذ يقتنع بهذا الخيار، بمن فيهم الرئيس نبيه برّي على الرغم من عدم مجاهرته بذلك مراعاة لـ”الحزب” وبيئته.

إذا كان التخبّط الإيرانيّ يعود للانقسامات بين تيّارات النظام المختلفة، وبفعل استراتيجية “الصمود والصبر” الواهمة، في مواجهة أميركا وإسرائيل، فإنّ مظاهر تخبّط “الحزب” تشمل التناقض في مقاربة الموقف من الرئاسة الأولى. بعد تفاقم عزلة “الحزب” إثر حملات تخوين الرئيس عون، سعى بعض قادته للعودة إلى التواصل مع مستشاريه، في وقت واصل بعضهم الآخر اتّهامه بأنّه تجاوز الرئيس برّي، متوهّمين بأنّ الأخير يقف حجر عثرة أمام التفاوض المباشر.

أخذ بعض قادة “الحزب” يستوعب أنّ زمن الأوّل تحوَّل، ولم تعُد الرئاستان الأولى والثالثة تخضعان لضغوط “الحزب” وترهيبه الأمنيّ كما في عهود سابقة، ويفضّل إعادة وصل ما انقطع جرّاء حملات الترهيب على الرئاستين، والبعض الآخر غارق في بحر العقول والألسنة الحامية.

قراءة خليجيّة: “الحزب” نحو البراغماتيّة؟

في المقابل هناك قراءة مختلفة لمواقف “الحزب” الأخيرة ترى فيها مقدّمة للتكيّف مع المتغيّرات، وتشترك الدبلوماسيّة الخليجيّة، ولا سيّما السعوديّة، في هذه القراءة.

تعتبر دوائر خليجيّة أنّ ما صدر عن “الحزب” من مواقف يحمل في طيّاته مؤشّراً إلى استشعاره الحاجة إلى تسوية. حتّى القول بالمفاوضات غير المباشرة ودعوته إلى الوحدة الداخليّة يعتبرهما الوسط الدبلوماسيّ الخليجيّ استعداداً للتأقلم مع المرحلة الجديدة. ما يُفهم ممّا يقوله قادة “الحزب” أخيراً هو محاولة منهم للتكيّف مدفوعين بغريزة البقاء لاعتماد نهج براغماتيّ. توحي مواقف “الحزب” للأوساط الدبلوماسيّة ذاتها أنّ قيادته أخذت تتحسّس حجم الخسائر التي تعرّضت لها مناطقها.

في هذه النظرة الدبلوماسيّة الاستشرافيّة توقّعات لاقتراب أوان البحث عن تسوية بين المكوّنات اللبنانيّة، على قاعدة التمسّك باتّفاق الطائف، استناداً إلى قاعدة تَشارُك هذه المكوّنات في “الأوجاع الرمزيّة” التي تشجّع على المراجعة والتواضع وصولاً إلى التساوي. المقصود بـ”الأوجاع الرمزيّة” هو ما أصاب الطوائف اللبنانيّة بعد اغتيال قادتها من مشاعر بالظلم. تعرّض المسيحيّون للإحباط باغتيال الرئيس بشير الجميّل، وأصاب اغتيال الزعيم كمال جنبلاط الدروز بضربة قاسية، وشعر السنّة بالظلم باغتيال الظاهرة رفيق الحريري. ثمّ تعرّض الشيعة لضربة اغتيال السيّد حسن نصرالله ثمّ السيّد عليّ خامنئي الذي هو مرجعيّة لقسم كبير منهم. يدفع هذا التساوي في المصاب المكوّنات إلى قدر من الواقعيّة والبراغماتيّة، لا سيما بعد النكبة التي تعرّضت لها البيئة الشيعيّة جرّاء العدوانيّة الإسرائيليّة، والخطأ في حسابات إقحام لبنان في الحرب.

تتطلّع الدبلوماسيّة الخليجيّة، ولا سيما السعوديّة، إلى الدور الفاعل الذي تمثّله حركة “أمل” والرئيس نبيه برّي في هذا السياق. تلاحظ أنّ معالجة سلاح “الحزب” خضعت قبل الحرب لمغالاة ومبالغة في تقدير إمكانية سحبه، ومغالاة في القدرة على الاحتفاظ به من جانب آخر. لربّما أدّت الحرب إلى “تنعيم” موقف كلّ من الفريقين، فيتقاربان عند منتصف الطريق.