المصدر: اللواء
الكاتب: زياد سامي عيتاني
الأربعاء 25 آذار 2026 08:49:40
يعيش لبنان اليوم واحدة من أخطر اللحظات التاريخية منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920؛ حيث لم تعد الأزمة مجرد تجاذب سياسي عابر، بل تحولت إلى صراع وجودي يمس جوهر الكيان وهويته السيادية. في مشهد تتقاطع فيه أصوات الانفجارات في العمق مع زلازل الدبلوماسية، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام تساؤل مرعب: هل نضجت ظروف الانفجار الداخلي الشامل، أم أن ما نعيشه هو «المخاض الدموي» الذي يسبق ولادة نظام جديد؟
• دبلوماسية الألغام: طرد السفير والقطيعة الكبرى
دخلت الدولة اللبنانية في مواجهة دبلوماسية غير مسبوقة مع طهران، تمثلت في القرار الجريء بسحب اعتماد السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، وإعلانه «شخصاً غير مرغوب فيه». هذا الإجراء ليس مجرد بروتوكول إداري، بل هو إعلان رسمي عن محاولة فك الارتباط بين القرار السيادي اللبناني والمحور الإقليمي.
تأتي هذه الخطوة في وقت حساس، حيث تتوجه الحكومة لتشكيل وفد تفاوضي دولي يغيب عنه «المكون الشيعي» التقليدي، مما يعمق الفجوة «الميثاقية» ويضع البلاد أمام معضلة شرعية الممارسة. إن عزل مكون طائفي أساسي عن طاولة المفاوضات الدولية يمثل مغامرة سياسية كبرى؛ فإما أن تؤدي إلى فرض منطق الدولة على الجميع، أو أن تتحول إلى وقود لحرب أهلية باردة قد تسخن في أي لحظة في الشارع.
رد الفعل الموازي: خطاب «التخوين» والميثاقية المفقودة
لم تتأخر الردود «الاعتراضية» الصاعقة على توجهات الحكومة؛ فقد جاء موقف المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان ليرسم خطاً أحمر عريضاً أمام قرارات الدولة اللبنانية. هذا الخطاب الديني-السياسي عالي النبرة، الذي يتقاطع مع تصريحات قيادات حزب الله حول «نية إسقاط الحكومة»، يضع البلاد أمام انقسام عامودي حاد: بين سلطة تحاول استعادة «القرار السيادي» لإنقاذ ما تبقى، وبيئة تعتبر أن هذه السيادة تُطبخ في مطابخ «عوكر» لاقتلاعها من جذورها الإقليمية.
• رسائل «ساحل علما»: هل بدأت معركة الساحات الدولية؟
في خضم هذا الغليان، جاء سقوط صاروخ وانفجاره في منطقة «ساحل علما» الكسروانية ليشكل تحولاً دراماتيكياً في خارطة المواجهة. المعلومات الاستخباراتية المتقاطعة تشير إلى أن الهدف لم يكن عشوائياً، بل كانت وجهته المفترضة هي منطقة «عوكر»، وتحديداً مقر السفارة الأمريكية.
هذا التطور النوعي يحمل رسائل تتجاوز الحدود اللبنانية؛ فهو يشير إلى أن «قواعد الاشتباك» امتدت لتطال المصالح الدولية المباشرة على الأراضي اللبنانية. إن استهداف السفارة الأمريكية، حتى لو فشل، يعني أن هناك قراراً بتحويل لبنان إلى «صندوق بريد» دامٍ لتصفية الحسابات الإقليمية الكبرى، وهو ما قد يدفع واشنطن والمجتمع الدولي نحو إجراءات «جراحية» تتجاوز الدبلوماسية التقليدية.
• ميدان «الحازمية»: الاستباحة الأمنية والردع المفقود
بالتوازي مع صواريخ الساحل، تعيد غارة «الحازمية» الأخيرة تعريف مفهوم «المناطق الآمنة». استهداف شقة سكنية في قلب منطقة تتسم بحساسية أمنية قصوى، لقربها من القصر الجمهوري وقيادة الجيش، يبعث برسالة قاسية حول «الانكشاف الأمني» اللبناني. الملاحقة باتت «نقطوية» وتعتمد على تكنولوجيا رصد فائقة، مما يجعل من أي منطقة ساحة محتملة للاستهداف، ويضع المواطن اللبناني «درعاً بشرياً» في حرب لا قرار له فيها، وسط عجز الدولة عن منع الأطراف المسلحة من استخدام المناطق المأهولة كقواعد لوجستية.
• قنبلة «الكرنتينا» الموقوتة: النزوح كأداة للفرز
اجتماعياً، يبرز ملف النزوح في منطقة «الكرنتينا» كواحد من أخطر فتائل الفتنة الداخلية. تحول إنشاء مراكز إيواء للنازحين في هذه المنطقة التاريخية إلى ساحة للسجال الطائفي والديموغرافي الحاد. القوى السياسية المعارضة تعبر علناً عن خشيتها من محاولة «تغيير هوية العاصمة» وخلق واقع ميداني جديد تحت ستار المأساة الإنسانية. هذا الاحتقان يعكس عمق الشروخ في المجتمع اللبناني؛ حيث تُستحضر «الغرائز البدائية» عند كل منعطف، محولةً النزوح من واجب إنساني إلى قنبلة ديموغرافية موقوتة.
• المؤسسة العسكرية: صمام الأمان تحت الضغط
في هذا المشهد السوداوي، يظل الجيش اللبناني هو المؤسسة الوحيدة التي تحظى بإجماع نسبي، لكنه يواجه التحدي الأصعب في تاريخه. الجيش مطالب بتنفيذ قرارات حكومية «سيادية» مثل حظر النشاط العسكري، لكنه يتحرك في حقل ألغام مذهبي. القيادة العسكرية تدرك أن أي مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى تصدعات داخلية، لذا تتبنى استراتيجية «الاحتواء لا الصدام»، لكن هذا الدور «الإطفائي» قد لا يصمد طويلاً إذا ما قررت الأطراف المتصارعة «قلب الطاولة» أمنياً اللهروب من استحقاقات التفاوض.
• المجتمع الدولي: بين «الوصاية» والانهيار
دولياً، تغيرت النظرة إلى لبنان؛ لم يعد العالم ينظر إلى بيروت كـ «سويسرا الشرق»، بل كـ «منصة إطلاق صواريخ» تهدد الاستقرار الإقليمي. الرسالة القادمة من العواصم الكبرى واضحة: «الاستقرار مقابل السيادة». لن تكون هناك خطط إعمار أو تدفقات مالية ما لم يتم حصر السلاح بيد الدولة وتطبيق القرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 1701 و1559.
هناك تسريبات تتحدث عن «تدويل» قسري للملف اللبناني في حال فقدت الحكومة السيطرة، وقد نشهد مؤتمراً دولياً يفرض نظاماً سياسياً جديداً (طائف 2)، ينهي حالة «ازدواجية السلطة» ويفرض توازنات جديدة تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الميدانية والسياسية العاصفة.
• لحظة الحقيقة والرهان الأخير
يقف لبنان اليوم وجهاً لوجه مع «لحظة الحقيقة». المؤشرات التي نراها من طرد سفراء وسقوط صواريخ في كسروان وتخوين متبادل باعتلاء المنابر، هي مؤشرات انفجار أكبر بكثير من مؤشرات التوافق. البلاد تقف بالفعل على «برميل بارود»، والطوابير الخامسة تتربص بكل حادثة لإيقاظ الفتنة.
يبقى الرهان الأخير على «وعي الضرورة»؛ أي أن تدرك كافة القوى السياسية أن الانفجار الداخلي لن يترك رابحاً. لبنان الذي نعرفه يلفظ أنفاسه الأخيرة، وما سيولد من رحم هذه الأزمة سيعتمد على قدرة الجيش على الصمود، وشجاعة الحكومة في تنفيذ قراراتها، ومدى استعداد الأطراف الإقليمية للتخلي عن «الساحة اللبنانية» كصندوق بريد لرسائلهم الدامية. الأيام، وربما الساعات القادمة، ستحدد ما إذا كان لبنان سيعبر نحو «الدولة» أم سيغرق في «الغابة».