لبنان في مواجهة السيناريوات الإسرائيلية الأخطر

من دون شك، تضم إسرائيل مجموعة مهمة من مراكز الأبحاث التي يتم اعتمادها سواء في مراكز القرار الداخلي أو الخارجي.
ويُعتبر المستشارون الإسرائيليون في شؤون الأمن والإرهاب من أكثر المراجع اعتماداً في العالم. ولهذا يصبح ما يصدر عن هؤلاء موضع اهتمام ومتابعة وتدقيق، ليس على اعتباره من الحتميات، إنما على أساس أنه من ضمن السيناريوات الجدية التي يفترض أخذها على محمل الجد ومعالجتها، ولو وقائياً!
وفي هذا السياق، يبدو لافتاً للاهتمام انكباب مراكز الأبحاث الأمنية والمخابراتية الإسرائيلية على متابعة التطورات الداخلية اللبنانية، نظراً لانعكاساتها ليس على مستقبل العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية فحسب، بل على مجريات المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي تشهد رابع جولاتها في الثالث والرابع من حزيران المقبل.
وحتى تاريخه قدمت هذه المراكز دراستين: الأولى تتصل بإمكان أن يسيطر "حزب الله" على العاصمة اللبنانية، أما الثانية فتركز على إمكان لجوء "حزب الله" إلى الاغتيالات في محاولة لمنع السلطة اللبنانية من مواصلة تنسيقها السياسي والأمني والعسكري مع الولايات المتحدة الأميركية!
الدراسة الأولى، وهي المتصلة بتخطيط "حزب الله" للسيطرة على بيروت، والتي تم الكشف عنها قبل أسبوع، تبيّن أن هذا الحزب يريد إبعاد "القوى البراغماتية التي تدعم التقارب مع الغرب" عن مراكز القرار، بعد انعدام الوسائل الأخرى في ظل ما لحق به من ضربات وما أصابه من وهن استراتيجي وما خسره من تدفقات وأصول مالية جعلته يواجه واحدة من أصعب مراحله مالياً في مقابل واحدة من أكثر مراحله حاجة إلى الإنفاق!
أما الدراسة الثانية، وقد نشرت مطلع هذا الأسبوع، وأعدها "مركز مئير عميت لمعلومات الاستخبارات والإرهاب"، وهي الخاصة بإمكان لجوء الحزب إلى الاغتيالات، فتقوم تقريباً على الأسباب نفسها المعتمدة في الدراسة السابق ذكرها، ومحورها "تراجع قبضته على البلاد".

وتلفت الدراسة إلى مواقف صادرة عن كبار المسؤولين في "حزب الله" كما إلى حملات التخوين التي طالت رئيس الجمهورية والحكومة جوزف عون ونواف سلام ووزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي.

"حزب الله" وقواعد اللعبة
 وقال درور دورون، معد الدراسة وضابط التحليل السابق في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، إن أول عملية اغتيال قد تكون "رمزية" وتنفذها "الوحدة121" بهدف ترهيب بيروت ودفعها إلى الخضوع. وتوقع أن تستهدف هذه الوحدة التي لم يعترف الحزب يوماً بوجودها، والتي يفيد التقرير بأنها مسؤولة عن عدد من الاغتيالات في لبنان يتقدمها الرئيس رفيق الحريري والرائد وسام عيد، (توقع أن تستهدف) شخصية مسيحية معارضة له متوسطة أو رفيعة المستوى، أو ربما الوزير يوسف رجي. وختمت الدراسة المنشورة بالإشارة إلى أن "حزب الله قلق حالياً من أي مسار سياسي أو ديبلوماسي نحو السلام مع إسرائيل أكثر من التحرك ضد سلاحه، لأن ذلك يشكل تهديداً لجوهر أيديولوجية المقاومة وفكرة قتال إسرائيل".


ماذا يقول لبنان حول هذين التقريرين الخطرين؟
 بمراجعة مصادر رسمية لبنانية – سياسية وأمنية – لم نحصل على أي تأكيد أو نفي. جل ما قيل لنا: "إن كل شيء قيد المراقبة في لبنان ولا نملك معطيات أولية لنتحرك وقائياً، ولكن الأجهزة الأمنية تسهر على ألا يحصل أي شيء من كل سيناريوات السوء".
"حزب الله" بطبيعة الحال ينفي هذه السيناريوات جملة وتفصيلاً ويعتبر أن كل ما يصدر عن إسرائيل هدفه "إثارة الفتنة الداخلية"، ولكن لسان حال الحزب يقول: "على المعنيين وقف كل تواصل مباشر مع إسرائيل لأنها يمكن أن تقدم هي على أفعال خطرة بهدف إثارة الداخل على الحزب"!
مراقب مخضرم، وله باع طويل في العمل الأمني والمخابراتي في لبنان، أشار إلى أن هذه الدراسات الإسرائيلية لا تهدف إلى الفتنة، فهي معدة لمراكز القرار وجرى نشر مقتطفات منها في الصحافة الإسرائيلية. ولكنه لفت إلى أن هذا النوع من الدراسات لا يرتكز بالضرورة على معلومات خاصة، إنما يقوم، في كثير من الأحيان، على تحليل المعطيات المتوافرة والمعلنة!

وقال هذا المراقب إن الشكوك بما يمكن أن يقدم عليه "حزب الله" مستندة إلى أسبقيات كثيرة، فهو، مثلاً، شن عملية عسكرية في السابع من أيار/ مايو 2008، حتى ينقلب على الواقع السياسي الذي لم يكن لمصلحته في البلاد، ونشر مجموعاته، وفق ما سمي بـ"القمصان السود"، لاحقاً، من أجل أن يفرض رئيس الحكومة الذي يريده، وصدرت عليه أحكام في المحكمة الخاصة بلبنان بجرم اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط/ فبراير 2005!

واستنتج المراقب أنه حيال هذه الأسبقيات وغيرها، وفي ظل مواقف "حزب الله" الحادة وحملاته الإعلامية العنيفة، من الطبيعي أن تأخذ مراكز الدراسات بالاعتبار ما يمكن أن يقدم عليه الحزب من أجل الانقلاب على واقع يدرك الجميع أنه يخنق بقوة!