المصدر: الراي الكويتية
الثلاثاء 9 حزيران 2026 01:08:22
لم يكن عادياً أن تتحوّل جبهةُ لبنان المشتعلة منذ 99 يوماً فتيلاً قابلاً لإشعال «برميل بارود» المنطقةِ بعدما بات واقعاً بين «فكّي كماشةِ» ضَغْطٍ مزدوجٍ في اتجاهيْن متعاكسيْن ومتشابكيْن، إسرائيليّ على إيران، وإيرانيّ على الولايات المتحدة، على تخوم المساريْن المتلازميْن والمنفصليْن لمفاوضاتِ واشنطن وإسلام أباد.
ولم يكن عابراً أن ينتقل لبنان، الذي يسير فوق «جليدٍ» انكسر مع إسرائيل عبر المفاوضات المباشرة في واشنطن، وفق تعبير السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، من معادلةِ نارٍ إلى أخرى، تتمدّد جغرافيتها من الضاحية الجنوبية لبيروت إلى عموم الجنوب ويَتبادل رَسْمها كل من تل أبيب وطهران، وتَشي بأن الإقليمَ برمّته يقف على «صفيحٍ ساخِن» تَسعى إيران لتحريكِه على قاعدة التموْضع مع أذرعها، وفي مقدّمتها حزب الله، في «الخندق نفسه» أمام منعطفِ مفاوضات إسلام أباد ومقتضيات إنقاذِ نظامِها من موتٍ، إما بضربةٍ قاتلة، ابتعدتْ احتمالاتُها، وإما بإدخال «تعديلٍ جيني» على طبيعته في حال «خَلَع جلْده» النووي، وفَقَدَ أذرعه و«اليد الطويلة» التي توفّرها له صواريخه البالستية.
ولم تكد معادلةُ «الضاحية مقابل شمال إسرائيل» التي فعّلتْها تل أبيب، الأحد، وردّت عليها إيران بمعادلةِ «إسرائيل مقابل الضاحية»، لتُقابِل الدولةُ العبرية قَصْفَها مِن قبل طهران بهجماتٍ مانعة لمنْح الجمهورية الإسلامية «الكلمة الأخيرة» أو «اليد العليا» الناظمة لقواعد الاشتباك على جبهة لبنان، حتى ارتسمت معادلةٌ إيرانية جديدة سرعان ما وُضعت تحت الاختبار وقوامها: «إسرائيل مقابل جنوب لبنان».
واكتسبتْ هذه المعادلة دلالاتها الخطيرة، لأنها جاءت في متن إعلان «مقر خاتم الأنبياء» في إيران وقفَ العمليات العسكرية ضد إسرائيل حيث أكد أنه «في حال استمرار الاعتداءات، خصوصاً في جنوب لبنان، سيكون الرد أشد قوة»، وهو ما ثبّتتْ تل أبيب بوجهه المعادلةَ المضادة «إذا استمرّت هجمات حزب الله على شمال إسرائيل فسنهاجم الضاحية الجنوبية لبيروت» بالتوازي مع توجيه جيشِها «باستمرار شنّ الهجمات بكل قوة في الأيام المقبلة في جنوب لبنان».
وعبّر بنيامين نتنياهو، بوضوح عن هذه المعادلة بإعلانه «الحرب مع إيران وحزب الله لم تنتهِ بعد، وهما يحاولان فرض معادلات مرفوضة بالنسبة لنا، وطهران والحزب أضعف من أي وقت، وإذا ارتكبت إيران الخطأ نفسه فسنردّ بقوة»، وذلك على وقع تكثيف العمليات في جنوب لبنان، خصوصاً في صور والنبطية، والتركيز - بعد احتلال قلعة الشقيف - على محاولة بلوغ تلال علي الطاهر (تقع شرق النبطية) التي تُعد من أبرز المرتفعات الإستراتيجية جنوباً والتي أشارت تقارير إلى أن الجيش الإسرائيلي بات على مسافة نحو كيلومتر واحد منها.
ولم يتأخّر تظهيرُ أن إسرائيل رَمَتْ من خلال الهجمات على إيران - والتي جاءت بمنسوبٍ «غير حارق لجسور» مفاوضات واشنطن وطهران - إلى تكريس مقاربتِها القائمة على فكّ الارتباط بين المفاوضاتِ الأميركية - الإيرانية وبين المعركة في لبنان، بهدف التخفيف من وزْن طهران على طاولة إسلام أباد وتالياً تضييق هامش المناورة أمامها في ما خصّ ما تَعتبره تل أبيب خطراً إستراتيجياً عليها من بوابة النووي - الأذرع والباليستية، وفي الوقت نفسه عدم السماح بأن «يَنْفذ» حزب الله في حربها معه مِن أيّ مناوراتٍ قد تَستدعي مرونةً أميركية ما بإزاء ملف لبنان أمام «الجائزة الكبرى» التي تشكّلها اي صفقة كبرى مع إيران.
وترى أوساط مطلعة في بيروت أن ما حصل بين إسرائيل وإيران «بسبب لبنان» ومن فوق رأسه، هو مزيج من:
- محاولةِ طهران تكريس الإمرة الإستراتيجية على الواقع اللبناني، في ضوء إصرارها على عدم فصل مساريْ مفاوضات إسلام اباد وواشنطن، وتظهير أن مفتاح نجاح مفاوضات لبنان - إسرائيل يمرّ حصراً بإيران من خلال حزب الله وسلاحه، وأن الجمهورية الاسلامية لن تتساهل أمام أي عزْلٍ لبلاد الأرز عنها وفق ما عبّرتْ عنه طلائع مضامين اتفاق واشنطن التي جاءت في «إعلان المبادىء» الذي صدر قبل أسبوع حيال اتفاق وقف النار المتدرّج والمشروط والذي سارعتْ إلى الانقضاض عليه برفْضٍ مباشر منها سَبَقَ فتْح النار عليه من حزب الله.
- وانعكاس للأفق غير المفتوح بعد لمفاوضات إسلام اباد، بحيث لن ترضى إيران بسحب لبنان من «قوس النار» وأن يُخرج من تحت جناحها، بعدما تعاطت معه على أنه «مُلَزَّم لها» بقوة الأمر الواقع الذي يشكله حزب الله. وقد عبّرت عن ذلك مواقف عباس عراقجي، ومسؤولين آخَرين وصحف إيرانية تجاوزت كل الأصول والأعراف في الردّ على مواقف الرئيس جوزاف عون، الرافضة لاستخدام إيران للبنان ورقة في مفاوضاتها مع واشنطن، وصولاً لِما شكّله إعلانها ضرب إسرائيل تحت شعار «حماية لبنان» من إشارةٍ نافرة – ومن فوق طلب بيروت لها بوقف التدخل في الشؤون اللبنانية - إلى أن قرار الحرب والسلم في بلاد الأرز بات واقعياً في يد طهران وإن كان أشّر في جانب آخَر إلى أنها و«حزب الله» صارا في وضعية تَراجُعية تَستدعي تَبادُل الإسناد، وأن الحزب يخسر السرديات الحاكمة لسلاحه ووظيفته تباعاً.
«لا حرب ولا سلم»
وفي الإطار، اعتبرت الأوساط السياسية أن إيران سعت عبر لعبة المعادلات إلى محاولة كسْر المعادلة الأكثر إيلاماً لها وهي وضعية «لا حرب ولا سلم» على جبهتها واستمرار الحصار عليها وعدم وضوح الرؤية بإزاء ملف أرصدتها المجمّدة وتلويح ترامب، ببدء «تجفيفها» عبر توزيعها على الدول المتضررة من عدوان إيران في المنطقة، وذلك من خلال استخدام الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لـ توحيد «ضخ النار» على إسرائيل واستدراج ردّ من الأخيرة عليها، علّ ذلك يُحْدِث موجةً ضغط أعلى على الرئيس الأميركي لمنحها مكاسب في مفاوضاتها بعدما «اشتمّت» استعجالَه على بلوغ اتفاق إطاري قبل انطلاق «المونديال»، وهو ما كان دفعه للحديث مرتين عن «كسر محرّم» هو التواصل المبهَم مع «حزب الله» والذي يُعتقد أنه قرئ من طهران على أنه إشارة إلى حاجة ملحّة لواشنطن لإبرام الاتفاق الأولي.
حركة أميركية
وفي هذا الوقت برزت حركةُ السفير الاميركي في بيروت على عون، وبري، ورئيس الحكومة نواف سلام، الذي كرر التأكيد أمام عيسى أن «لا أحد يفاوض عن لبنان غير الدولة اللبنانية» في إشارة لإيران.
وكان عيسى، قال بعد لقائه رئيس الجمهورية: «تداولنا في مسار المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية وما تضمّنته على صعيد انهاء الوضع القائم في لبنان. وعبّرت للرئيس عون، عن تقدير بلادي للمواقف التي أعلنها في المقابلة المهمة التي أجريت معه قبل أيام. من المهم جداً ان يختار المسؤول ما يريده ونسير به، لا سيما اذا كان خياراً وحيداً لانهاء وضع مؤلم وقاس كالذي يعيشه لبنان».
وأضاف «من المقرر أن تُستأنف المفاوضات في واشنطن، ويهمني التنويه بالفريق اللبناني المفاوض الذي يتمتع بالمهنية العالية والفاعلية وأعضاء الفريق يتكلمون في الملف اللبناني بشكل واضح وصريح».
وحول التصعيد الأخير، قال: «ما حصل هو رسالة سياسية، ونحن في الولايات المتحدة قرّرنا ألا تتوسع المواجهة التي حصلت الأحد أكثر. نولي الملف اللبناني أهمية كبرى والرئيس ترامب، يتحدث دائماً عن لبنان بشكل دوري، وهذا عنصر مهم على اللبنانيين أن يأخذوه في الاعتبار، خصوصاً ان الرئيس عون، اختار المفاوضات، وهو مسار نؤيّده ويساعدنا على تحقيق تقدم لانهاء معاناة اللبنانيين».
واعتبر أن «الاجتماع الجيد، هو الاجتماع الذي تصدر عنه مسائل إيجابية تحقق تقدماً، ونحن نعتقد اننا على الطريق الصحيح. قد تأخذ المفاوضات وقتاً، إذ ليس من المنتظر أن تحل كل المسائل في اجتماع واحد، واستمرار هذه المفاوضات يؤثر إيجاباً على المسار العام في لبنان والمنطقة. وقد وصلنا الى مرحلة لا رجوع فيها، انكسر الجليد ونحن مستمرون في مساعدة لبنان على الخروج من أزمته».
أما زيارة عيسى، لرئيس البرلمان فاكتسبت أهميةً خاصةً في ضوء وصْف بري، اتفاق واشنطن بأنه «هجين» راسماً معادلة تزامُن انسحاب إسرائيل وحزب الله من جنوب الليطاني مع الدعوة إلى وقف نار شامل.
وبعد اللقاء قال السفير الأميركي عما اذا كان هناك وقف للنار، واذا كان بري، موافقاً عليه: «سيحصل وقف لاطلاق النار، وكان قرارنا ان يكون شاملاً لكن ثمة أمر احتاج الى توضيح فأوضحناه اليوم».
وعن التواصل بين الولايات المتحدة و«حزب الله»، قال «هذا خطأ لا إداري، من أين أتى هذا الكلام».
وعن تجريف وهدم القرى وموقف الإدارة الأميركية منه، قال عيسى: «أنتم تعرفون ماذا نفعل في واشنطن ولماذا نجتمع كل أسبوع او أسبوعين، ونعرف ماذا يحصل في الجنوب، كل ما نريده ان يتوقف ما يحصل واستطعنا ان نحصل على وقف لاطلاق النار، وعليه على كل طرف ان يعرف ما المطلوب منه وعندها تتوقف الضربات».
واذا كان أخذ تعهداً من بري، حول التزام «حزب الله» بوقف النار، قال: «اسألوا رئيس مجلس النواب، هو أعطاني رداً وسنرى لاحقا، أهم ما يجب ان تعرفوه، اننا نحاول قدر المستطاع وقف اطلاق النار والرئيس ترامب، يومياً يتكلم عن لبنان، وذلك يعني أن أمر لبنان يهمنا، وان يعود بلدا مستقلاً، وأنتم تعرفون من يعطي حزب الله الأوامر».
وحول «المنطقة التجريبية» وإمكان عودة الأهالي إليها، أكد السفير «المنطقة التجريبية ستكون مفتوحة لأبنائها الذين سيعودون إليها وستكون تحت حماية الجيش ولن تتعرض للقصف الإسرائيلي. هذه النقطة لم تكن واضحة، اذ لا معنى لأن يذهب الجيش إليها وهي خالية من السكان، بل يهمنا أن يعود الأهالي إليها ويبدأوا بالاعمار وشق الطرق وإعادة الكهرباء وتكون نموذجاً».
وتابع أن «كل ما يحصل في واشنطن لصالح لبنان، وإسرائيل ستنسحب منه وستعيد الأراضي والأسرى».
ورداً على سؤال قال عيسى «متى سمعتم أن رئيساً أميركياً «تخانق» مع نتنياهو، كرمى للبنان؟»، وحين قيل له «ربما كرمى لاتفاق مع إيران؟» أجاب: اذا كان من أجل إيران ولمصلحة لبنان... مش منيح»؟