المصدر: النهار
الكاتب: علي حمادة
الجمعة 24 تموز 2026 08:43:56
تمثل إطلاق عملية الانسحابات الإسرائيلية التي توصل إليها الرئيس اللبناني جوزف عون بالتفاوض، بداية مرحلة مختلفة على صعيد الإقليم برمته لاسيما بالنسبة إلى النظام الإيراني الذي يُظهر يوماً بعد يوم أنه لم يعد نفسه.
ثمة شيء كبير يحصل وهو يشبه إلى حد بعيد النهايات. لا نقول السقوط الحتمي السريع، لكننا نقول الهزة الارتدادية الهائلة التي تصيب هرم السلطة في إيران، وبطبيعة الحال الشارع الإيراني الذي يشعر الداخل، كما يشعر المراقبون في الخارج، وحتماً المسؤولون الكبار في دول المنطقة، كما في الدول المعنية بالملف الإيراني، بأن إيران تنقلب على نفسها، وقد دخلت مرحلة الفوضى السياسية، والأمنية والعسكرية مع الخارج.
لم يعد النظام في طهران أو ما تبقى منه بعد القضاء على مجموعة وازنة من كبار المسؤولين، على رأسهم المرشد السابق علي خامنئي، وربما خليفته الذي لا يعرف تماماً إذا ما كان على قيد الحياة أو مؤهلاً للعمل القيادي أو أنه قضى هو الآخر مع الآخرين. وثمة مؤشرات تصدر من الداخل الإيراني لا يمكن إخفاؤها، أو التحايل على من يتلقى المؤشرات إلى ما لا نهاية، وخصوصاً أن النظام الذي قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه كان يختبره من خلال "مذكرة التفاهم"، لم يلتقط الفرصة الذهبية لإعادة تأهيل نفسه في مرحلة المتغيرات الكبرى.
ولا ننسى أن إيران تلقت ضربتين موجعتين في حربها مع إسرائيل في حزيران/يونيو 2025، ثم حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل معاً ربيع 2026. هاتان الضربتان أكثر من موجعتين: إنهما قاتلتان على المديين المتوسط والبعيد. فالخسائر مهولة، والعواقب السياسية والاقتصادية - المالية والمعيشية عميقة بآثارها السلبية؛ فلم يعد بالإمكان الخروج من النفق بالسهولة التي يتصورها البعض.
وما التهور المتدحرج في سلوك النظام الإيراني مع دول الجوار وفي مقدمها دول الخليج العربي سوى الترجمة الواقعية لحالة من الهلع المسيطر على من بقوا من قادة النظام. هؤلاء يكتشفون أن "الإمبراطورية" الإقليمية في حالة تداعٍ غير منقطع إلى حد أن الهلع المهيمن في دوائر الحكم الفعلي على رأس "الحرس الثوري" يدفعها إلى الضرب في كل اتجاه واستدراج العداء من كل صوب.
فمن دول الخليج العربي التي نعرف أنها ومن دون استثناء تدرك أن التعايش مع النظام في إيران بات في خبر كان، إلى الدول الأوروبية التي لطالما تواطأت لألف سبب وسبب مع الحالة الإيرانية، وبلغ تواطؤها في المرحلة الحالية حد الخضوع لقواعد وضعها "الحرس الثوري" لعبور مضيق هرمز، هذه الدول يبدو أنها بدأت بتغيير مقاربتها للتهور الإيراني بعدما استشعرت بأن النظام في إيران فقد القدرة على التقييم العقلاني للموقف، وبالتالي ما عاد يتخذ قرارات تتسم بالحد الأدنى من التفكير البارد. وهكذا، شيئاً فشيئاً تفقد طهران المزيد من الأوراق التي كانت بحوزتها ليس لأنها في حالة ضعف مطّرد، وإنما لأنها تبدد رصيدها الإقليمي والدولي بسرعة مذهلة.
في لبنان مثلاً، وبعدما دفعت إيران ذراعها المحلية ("حزب الله") لخوض حربين خسرتهما على التوالي ضد إسرائيل، تلملم ما أمكن لملمته للزج بـ"حزب الله " لخوض حرب ثالثة ضد إسرائيل وربما أميركا، ما من شك بأنها ستنتهي بنكبة جديدة سيقضي فيها آلاف الشبان اللبنانيين ليضافوا إلى عشرة آلاف قتيل سقطوا حتى الآن. والهدف من الحرب التي يبشرون بها أتباعهم في لبنان إحياء شعارات سقطت مثل "المقاومة" أو "الصلاة في القدس" أو "حماية الشيعة"! فقد تغير لبنان جذرياً، وقيادته السياسية وفي المقدمة رئيس الجمهورية جوزف عون تواصل نقل البلاد إلى موقع آخر مغاير لمرحلة الهيمنة الإيرانية التي أوصلت البلاد إلى القعر على المستويات السياسية، الأمنية والاقتصادية. وسلخت تلك الهيمنة لبنان عن العالم والمحيط العربي.
ومن هنا عندما زار الرئيس جوزف عون الولايات المتحدة بداية الأسبوع الحالي، أعاد التأكيد على خيار التفاوض مع إسرائيل برعاية أميركية والذي ولّد "الاتفاق الإطاري الثلاثي"، وسرعان ما خلق دينامية سياسية وأمنية عجّلت للمرة الأولى بإطلاق مسار الانسحابات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة في الجنوب. وكلما تسارعت وتيرة الانسحابات تكثفت المفاوضات حول كل الملفات العالقة بين لبنان وإسرائيل بدفع أميركي واضح وغطاء عربي تقوده المملكة العربية السعودية، حيث الهدف النهائي سيتمثل بإنهاء حالة الحرب، وإطلاق مرحلة سلام ستنهي الهيمنة الإيرانية بشكل حاسم.
نقول هذا فيما تتسارع خطى النظام الإيراني في اتجاه التورط بحرب ثالثة أو قل بنكبة ثالثة!