المصدر: النهار
الكاتب: نبيل بو منصف
الجمعة 19 حزيران 2026 07:27:56
لن تكون هناك أي قدرة استعلائية، مهما استعلت، في إمكانها أن تطمس أو تحجب أو تهمش إلى مرتبة خلفية مشهد أخطر دمار وأوسع خراب عرفته منطقة في تاريخ الحروب اللبنانية، مثلما تتكشف مشهدية الجنوب اللبناني الذي تحول معظمه ستالينغراد عملاقة كما بعد الحرب العالمية الثانية، من النبطية إلى الحدود مع إسرائيل.
مزاعم الانتصار
ومهما تجبر "حزب الله" بالهدية المذهلة التي قدمها الرئيس الأميركي ونائبه إلى إيران بعد حربٍ طاحنة يسأل العالم كله لماذا كانت إذا كانت هذه نهايتها في تعويم نظام الحرس الثوري الإيراني، فإنه على التعظيم المصطنع والزائف الذي تمنحه إياه إيران صار مستحيلاً عليه التهرب من التبعات التاريخية لكارثةٍ أصابت بيئته ومناطق نفوذه كما لبنان كلاً بما لا يسيّل داخلياً بأي مزاعم انتصار .
هذا الجانب هو حقيقة لا بد من تثبيتها في أي مقاربةٍ للواقع اللبناني بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية- الإيرانية لوضع حدٍ تلقائيٍّ للديماغوجية الواهمة التي لا يزال أتباع إيران والحزب ماضين في تسويقها، على ألسنة قادة الحزب وإعلامه المباشر واللصيق، من دون احتساب الآتي من التبعات المباشرة على مئات ألوف الضحايا في حرب إسناد إيران، في دمارٍ يستحيل معه الترميم وإعادة الإعمار قبل عقد من الزمن.
ومع ذلك, فإن المقلب الآخر من المشهد اللبناني الناشئ منذ بدأت مبارزات التلاعب والاستثمار بلبنان كأنه درة التاج في التفاهم المستولد بين ترامب وإيران، يستثير لدى اللبنانيين المتحررين من سطوة الإعلام الديماغوجي، أياً يكن موقعه السياسي، ما يتجاوز الريبة والتوجس مما يستبطنه الاتفاق الأميركي- الإيراني لجهة تداعياته الخطيرة عليه.
ولعلها التداعيات التي ربما تكون الأخطر في تاريخ الصفقات الدولية الإقليمية على حساب لبنان من مثل التسليم الأميركي سابقاً بالوصاية السورية، أسوةً بترك أذرع إيران ووكلائها الآن، وفي مقدمها "حزب الله", من دون رادع بل بانعدام الضمانات حيال استمرار تمويلها وتغذية سطوتها المسلحة بالمليارات التي ستتدفق على إيران بأفضال إدارة ترامب.
لا داعي للإغراق في سلوكيات الممانعين الذين عبثاً الرهان على مراجعاتٍ لديهم أمام أهوال ما صنعته أياديهم تضحية للتبعية الإيرانية، لكن المخيف أن يحاصر لبنان بديماغوجية مقابلة ولو بسلوكيات مختلفة، تجسدها الازدواجية الغرائبية للرئيس الأميركي حيال لبنان على نحوٍ مذهل.
أحجية وألغاز
في "تجليات" أيام ثلاثة في مدينة إيفيان الفرنسية شارك فيها بل "تزعم" قمة الدول السبع، كدنا أن نظن أن لبنان وضع فجأةً على قائمة أولويات الأمن القومي الأميركي، لفرط ما أمعن ترامب في استذكاره واستحضاره أسوةً بمحاولاته تلميع إنجازه "القومي" العابر للقارات في تعويم النظام الإيراني و"تعويضه" حربه على إيران.
حار اللبنانيون والسوريون وحتماً الإسرائيليون، في فك أحجية تلك المعادلة الطالعة وألغازها التي تؤنّب إسرائيل لأنها عجزت عن تصفية "حزب الله"، وتحرض أحمد الشرع على الاقتداء بأسوأ سلف وأسوأ تجاربه في غزو لبنان واحتلاله للتصادم مباشرة مع "حزب الله" في وصفةٍ مجانية لفتنة سنية - شيعية، وتضرب معنويات الشرعية اللبنانية السيادية ضرباً قاصماً من خلال الإيهام بأنها أضعف خلق الله! تلك الوصفة الثلاثية الأشدّ غرابة في "سياسة" إدارة ترعى المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل، بدت كأنها دعوة مكملة سافرة لتسليم لبنان إلى قدرٍ كارثي إضافي وفوضوي بين براثن كماشة إقليمية تسوّغ لكل من إيران وإسرائيل وسوريا العبث بمصير لبنان. مع ذلك الرئيس جوزف عون صار الآن وبعد طول انتظار، بين الضيوف المدعوين إلى البيت الأبيض. علّه يحمل إلى اللبنانيين يوم عودته وصفةً لفك الطلاسم!