المصدر: الراي الكويتية
الأحد 23 آب 2026 23:50:19
هل تُسْقِطُ تأشيرة السفير الإيراني «غير المرغوب فيه»، الدولةَ اللبنانية في «فخٍّ» يُسْكِتُ «الطبولَ» التي تقرعها منذ نحو 19 شهراً في سياق معركتها السياسية لاسترداد كل مقوّمات سيادتها ولسحْب «تأشيرة» الحرب والسلم من يد «حزب الله» ومِن خلفه طهران؟
هذا السؤال فَرَض نفسه على بيروت بفعل استحقاق تاريح انتهاء «فيزا» السفير المعيّن محمد رضا شيباني اليوم الإثنين، هو الذي «يقيم» في لبنان منذ 24 مارس الماضي «بلا صفة» وكمتمرّد على قرار «بلاد الأرز» بسحْب الموافقة على اعتماده وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، ومطالبته حينها بمغادرة الأراضي اللبنانية بعد 5 أيام كحدّ أقصى.
وكما حين صدر قرارُ «الطردِ» الضمني لشيباني، على خلفية ما وصفتْه وزارة الخارجية آنذاك «بانتهاك طهران لأعراف التعامل الدبلوماسي وأصوله المرعية بين البلديْن» وتسليم بيروت ببقائه أشبه بـ «سفير بالإكراه» ولو واقعياً بلا حقيبة دبلوماسية، فإنّ ثمة خشيةً من أن يتحوّل انتهاء تأشيرته مساحة استنزافٍ جديدةٍ لقدرة الدولة على محو سُمعة «الحبر على ورق» التي التصقتْ بقراراتها، رغم الأبعاد ما فوق عادية لـ «الانتفاضة» الرسمية التي بدأتْ مع عهد الرئيس جوزاف عون، وحكومة الرئيس نواف سلام، في ما خصّ حصْر السلاح بيد الدولة ومتتماته (التفاوض المباشر مع تل أبيب)، وهو الملف الذي يُدار بمداراةٍ شديدة لزوم الموازَنة بين محاكاة ضغوط الخارج وشروطه وبين «حياكة» شبكة أمانٍ تَقي البلاد الانكشاف على «ناريْن»، داخلية وإسرائيلية.
وفي وقت يخوض لبنان منازلةً مع إيران على جبهة مسار مفاوضاته مع إسرائيل التي ترعاها واشنطن وتسعى طهران جاهدةً لإجهاضها عبر إحباط الحزب تنفيذ «مفتاحها»المتمثّل في تسليم سلاحه بهدف إخضاع هذا العنوان لميزان التفاوض بين واشنطن وطهران، فإنّ مصيرَ سفيرِها - الذي لم تقبل بيروت أوراق اعتماده وأعلنتْه «شخصا غير مرغوب فيه» وكيفية تعاطي بيروت مع اليوم التالي لانتهاء تأشيرته بات فعلياً بمثابة «سلّم قياسٍ» لا ينفصل عن «المعركة الأم» لاستعادة «السيادة الدبلوماسية» عبر المحادثاتِ المباشرة مع تل أبيب.
ورأت أوساط مطلعة أنه بعدما ثبّت لبنان «حائط صدّ» سياسياً بوجه طهران أعلن معه رفْض استخدامه منها «ورقة مساومة في مفاوضاتها مع واشنطن»، في مقابل إمعانِ إيران في تحدّي الدولة اللبنانية، من فرْض بقاء شيباني، وكأنه «سفير لدى المحور الايراني في بيروت» وليس انتهاءً بإقرار رئيس برلمانها محمد باقر قاليباف، أخيراً «باستمرار التواصل المباشر مع مقاتلي حزب الله على الخطوط الأمامية»، فإنّ كل هذا المسار من الاستعاد المتدرّجة لـ «لوحة التحكم» بالوجهة الإستراتيجية للوطن الصغير، ولو بقيت «أزرار التفجير» بيد الحزب والجمهورية الإسلامية، بات على محكّ ما سيكون على صعيد «أزمة السفير» التي يَخرج اليوم جمرها من تحت الرماد مجدداً.
ولم يكن عابراً عشية «الساعة صفر» لانتهاء تأشير شيباني، أن ترتسم في بيروت أجواء تشي بأن الكواليس تضجّ باتصالاتٍ لا تتمحور حول حتمية إخراجه من لبنان بل الإخراجُ المطلوب لبقائه، ولو منزوع الصفة الدبلوماسية باعتبار أن كل الطرق تؤدي إلى هذا التوصيف انطلاقاً من القرار الذي صدر في 24 مارس وجَمَع بين سحْب الموافقة على اعتماده واعتباره «شخصاً غير مرغوب».
وفي ظلّ معلومات عن دور يضطلع به المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، على خط الرؤساء عون وسلام ونبيه بري، لتوفير مَخْرجٍ لا تنكسر معه هيبة الدولة ولا «الجرّة» بين مكوّنات الحكومة ولا سيما وزراء الثنائي الشيعي، الذي غطى «عصيان» شيباني، على قرار استبعاده، فإنّ الخيارات التي بدت الدولة أمامها في ما خص استحقاق انتهاء التأشيرة راوحتْ بين:
- أن يَستحصل على تأشيرة مواطن عادي، أي بلا صفة دبلوماسية، وهو ما يستوجب أن يتقدّم بطلب الى الأمن العام الذي لم يكن تلقّى أي أمرّ في هذا الإطار.
- أن تعتمده إيران مبعوثاً خاصاً إلى لبنان وربما سوريا أيضاً بما يمنحه «مَهمة» أعلى في مفاعيلها من مسؤوليات سفير في بيروت ولكن أدنى من هذه صفة السفير الذي يبقى الرتبة الأعلى في الهيكل الدبلوماسي الرسمي.
- أن يستفيد كونه اعتُمد في لبنان سابقاً (بين 2005 و2009) من «إقامة المجاملة» التي يمكن أن يحصل عليها، حسب شروط الأمن العام «الدبلوماسي الذي سبق أن عمل في لبنان ويرغب بالإقامة فيه بعد إحالته على التقاعد».
ويُستثنى من هذه السيناريوهات تمديد جواز سفره الديبلوماسي كونه سيَعْني «انقلاباً» على قرار سَحْبِ اعتماده و«مكافأة» السابقة التي قام بها ومن خلفه طهران بالبقاء «عنوةً» في بلدٍ «طَرَده»، كما يُستبعد أي خيارٍ يُفضي الى ترحيل أو مغادرة فورية أو إفراغ حقيبته من أيّ دورٍ موصول بالدبلوماسية، لأن ذلك سيكون خارج معادلة انتصار الدولة من دون انكسار غيرها، ولو تطلّب الأمر «إعادة تدوير» لصفة شيباني، وإن لرتبة ما دون سفير.
على أن أي مخرجٍ لهذه القضية المفتوحة على احتمالاتِ أزمة دبلوماسية مع طهران أو أزمة داخلية، يبقى دونه أن الحل - التسوية سيصطدم بأن لبنان كان أعلن شيباني «persona non grata»، ناهيك عن تأكيد وزير الخارجية يوسف رجي، في تصريح لصحيفة «النهار» أخيراً أنه «بمجرد إعلان أي دبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه، يتوجب عليه مغادرة أراضي الدولة المضيفة، ولا يعود لأي تأشيرة أو إذن دخول أو إقامة مُنح له سابقاً أي أثَر قانوني يجيز استمرار وجوده على أراضيها. وبالتالي، فإن الحديث عن تجديد أي منها يشكّل هرطقة قانونية ويتعارض مع أبسط قواعد القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية المرعية».
وشدَّد على «أن أي حديث عن استمرار سريان تأشيرة شيباني، أو إمكان تجديدها لا يُعتدّ به قانوناً، ولا يمكن أن يشكّل أساساً لاستمرار وجوده في لبنان». وأضاف «أن استمرار وجود السيد شيباني، على الأراضي اللبنانية بعد صدور قرار اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه يتعارض مع قرار سيادي واضح صادر عن الدولة اللبنانية. وهذا القرار نهائي وواجب النفاذ، ولا يقبل استثناءً أو تأويلاً أو التفافاً عليه، كما لا يمكن إخضاعه لأي«تسوية أوضاع»تحت أي مسمّى».