المصدر: Kataeb.org
الكاتب: فرنسوا الجردي
الخميس 13 آب 2026 09:24:37
بقلم: فرانسوا الجردي
ليست كل جلسة نيابية مجرد جلسة، وليست كل عملية تصويت مجرد رقم يُضاف إلى محضر المجلس.
هناك لحظات تشريعية تتحول إلى علامات فارقة في تاريخ الدول، لأن القرار الذي يُتخذ فيها لا يغيّر مادة قانونية فحسب، بل يعبّر عن فلسفة دولة كاملة، وعن الصورة التي تريد أن تقدمها عن نفسها أمام مواطنيها والعالم.
ومن هذا المنطلق، فإن تصويت مجلس النواب اللبناني على إلغاء عقوبة الإعدام في 11 آب 2026 ليس تفصيلاً تشريعياً عابراً، بل حدث تاريخي يضع لبنان، للمرة الأولى، في موقع الدولة الأولى في الشرق الأوسط التي تلغي عقوبة الإعدام بصورة تشريعية نهائية. وقد استُبدلت العقوبة بالإشغال الشاقة المؤبدة، بما يرسّخ مبدأ العقاب الصارم من دون اللجوء إلى إنهاء حياة المحكوم عليه.
من بلد الأزمات إلى بلد يصنع سابقة في المنطقة قد يبدو المشهد للوهلة الأولى مفارقاً.
لبنان الذي يعيش أزمات سياسية واقتصادية وأمنية عميقة، والذي يعاني من ضعف المؤسسات وتراجع الثقة بالدولة، استطاع أن يتخذ قراراً تشريعياً جريئاً يجعله متقدماً على دول إقليمية كثيرة في واحدة من أكثر القضايا حساسية في منظومة حقوق الإنسان.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الإنجاز.
فلبنان لا يثبت بهذا القانون أنه دولة مثالية، بل يثبت أنه قادر، عندما تتوافر الإرادة السياسية، على أن يكون دولة سبّاقة في التشريع والحريات وحقوق الإنسان.
لقد بقي لبنان منذ عام 2004 من دون تنفيذ فعلي لأحكام الإعدام، لكن عقوبة الإعدام ظلت موجودة في المنظومة القانونية، وكانت المحاكم تستمر في إصدار أحكام بالإعدام. أما اليوم، فقد انتقل لبنان من حالة تعليق التنفيذ إلى إلغاء العقوبة نفسها من التشريع.
وهذا فرق جوهري بين دولة تؤجل المشكلة ودولة تواجهها وتحسمها.
عادل نصار... عندما يصبح وزير العدل شريكاً في صناعة التاريخ
في هذا الإنجاز، لا يمكن تجاهل الدور السياسي والتشريعي الذي أدّاه وزير العدل عادل نصار، إلى جانب النواب والقوى السياسية والحقوقيين الذين دفعوا بهذا الملف حتى وصل إلى الهيئة العامة.
فقد حضر نصار جلسات اللجان النيابية التي درست اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام، وشارك في المسار التشريعي الذي انتهى إلى إقرار القانون.
وهنا تبرز قيمة الدور السياسي لحزب الكتائب اللبنانية في هذا الملف، بعدما جعل الحزب إلغاء عقوبة الإعدام جزءاً من رؤيته لدولة القانون وحقوق الإنسان، وواصل الدفع باتجاه تحديث التشريع اللبناني.
لقد أثبتت الكتائب، ومعها الوزير نصار، أن العمل السياسي لا يُقاس فقط بعدد المقاعد النيابية أو بحجم الخطابات، بل أيضاً بالقوانين التي تترك أثراً في تاريخ الدولة والمجتمع.
فالسياسة التي تنتج قانوناً يحمي الإنسان هي سياسة تتجاوز الحسابات اليومية إلى بناء المستقبل.
إلغاء الإعدام ليس إلغاءً للعقاب
وهنا يجب أن يكون الكلام واضحاً وحاسماً.
إلغاء عقوبة الإعدام لا يعني التساهل مع القاتل، ولا يعني العفو عن المجرم، ولا يعني إضعاف هيبة الدولة.
العكس هو الصحيح.
الدولة القوية ليست الدولة التي تقتل باسم القانون، بل الدولة التي تمتلك نظاماً قضائياً قادراً على توقيف المجرم ومحاكمته وإدانته وإنزال أقسى العقوبات القانونية بحقه، مع ضمان حقه في محاكمة عادلة.
فالعدالة ليست انتقاماً.
والدولة ليست قاتلاً آخر.
والقانون لا يفقد هيبته عندما يحمي الحياة، بل يكتسب بعداً أرقى عندما يقول إن العقوبة يمكن أن تكون صارمة وحازمة من دون أن تتحول الدولة نفسها إلى طرف في إنهاء حياة الإنسان.
ولهذا فإن استبدال الإعدام بالعقوبة المؤبدة لا يعني إطلاقاً فتح أبواب السجون أمام المجرمين، بل يعني تحويل فلسفة العقوبة من الانتقام النهائي إلى المحاسبة المستمرة.
منطق الدولة في مواجهة منطق الثأر
في منطقة عاشت طويلاً على منطق الثأر والعنف والقتل السياسي والطائفي والمذهبي، تأتي الخطوة اللبنانية برسالة بالغة الأهمية:
الدولة لا تنتقم. الدولة تحاكم.
وهذه ليست جملة فلسفية فقط، بل قاعدة أساسية في بناء دولة المؤسسات.
فالمنطقة العربية والشرق الأوسط شهدا خلال العقود الماضية حروباً أهلية وانقلابات وصراعات مذهبية وسياسية وأعمال عنف واسعة.
وفي ظل هذا التاريخ، يصبح قرار لبنان أكثر من مجرد إصلاح قانوني.
إنه إعلان عن فلسفة مختلفة:
لا يمكن للدولة أن تواجه ثقافة الموت بأن تصبح جزءاً من ثقافة الموت.
الدولة تواجه الجريمة بالقانون، والإرهاب بالقضاء، والقتل بالمحاسبة، والفوضى بالمؤسسات.
لبنان الأول في الشرق الأوسط... وهذه ليست جملة عابرة
من أهم دلالات هذا القانون أن لبنان أصبح أول دولة في الشرق الأوسط تلغي عقوبة الإعدام تشريعياً.
وهذا يمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة جزء من صورته التاريخية كبلد للحريات والانفتاح والتعددية.
فلبنان الذي سبق المنطقة في الصحافة والجامعات والحريات الثقافية والحياة السياسية، يستطيع اليوم أن يضيف إلى سجله إنجازاً تشريعياً جديداً.
لبنان يستطيع أن يكون دولة صغيرة بحجمها الجغرافي، لكنها كبيرة في خياراتها الإنسانية.
والرسالة الأهم: الدولة تستطيع أن تتقدم
في زمن يُقال فيه إن لبنان عاجز عن الإصلاح، جاء هذا القانون ليقول إن العجز ليس قدراً.
وفي زمن يقال فيه إن المؤسسات اللبنانية لا تستطيع اتخاذ قرارات تاريخية، جاء التصويت ليقول إن البرلمان يستطيع، عندما تتوافر الإرادة السياسية، أن يصنع تحولاً حقيقياً.
وفي زمن تتراجع فيه الثقة بالدولة، يأتي هذا الإنجاز ليذكّر اللبنانيين بأن الدولة ليست فقط كهرباء وماء وطرقات واقتصاداً وأمناً.
الدولة أيضاً قيمة أخلاقية وقانونية.
الدولة هي أن يعرف المواطن أن القانون فوق الجميع.
وأن العقوبة تصدر عن قضاء مستقل.
وأن الإنسان، مهما كان الجرم الذي ارتكبه، لا يتحول إلى مادة للانتقام السياسي أو الطائفي.
تحية إلى من حملوا الملف حتى النهاية
من حق وزير العدل عادل نصار أن يُهنأ على هذا الإنجاز، ومن حق حزب الكتائب اللبنانية أن يسجل بفخر دوره في الدفع نحو إقرار قانون تاريخي بهذا الحجم، كما من حق النواب والحقوقيين والمجتمع المدني وكل من عمل على هذا الملف عبر السنوات أن يُذكروا في سجل هذه المحطة.
لكن الأهم ألا يتحول الإنجاز إلى مادة للمزايدة السياسية.
فالقوانين التاريخية لا تُقاس بمن يرفع راية الانتصار عليها، بل بقدرتها على تغيير وجه الدولة.
والتحدي الحقيقي يبدأ من اليوم.
بعد إلغاء الإعدام... المطلوب إعدام الفوضى لا الإنسان
إذا كان لبنان قد امتلك الجرأة لإلغاء عقوبة الإعدام، فعليه أن يمتلك الجرأة نفسها لإصلاح القضاء والسجون والأجهزة الأمنية وآليات المحاكمة وتنفيذ الأحكام.
لا قيمة لقانون متقدم إذا بقي القضاء بطيئاً.
ولا قيمة لعقوبة مؤبدة إذا كانت السجون عاجزة.
ولا قيمة لدولة قانون إذا بقي المجرم قادراً على الإفلات من العقاب.
لذلك فإن الخطوة التالية يجب أن تكون واضحة:
إلغاء الإعدام يجب أن يكون بداية مشروع متكامل لإصلاح العدالة اللبنانية، لا نهايته.
نريد قضاءً مستقلاً.
نريد محاكمات عادلة وسريعة.
نريد سجونا إنسانية ومنظمة.
نريد أحكاماً تُنفذ.
ونريد دولة لا يخاف منها المواطن الشريف، ولا يستطيع المجرم أن يفلت منها.
وهنا يكمن المعنى السياسي الأكبر
في لبنان، لطالما كانت السياسة قائمة على سؤال: من يملك القوة؟
أما الدولة الحديثة فتطرح سؤالاً مختلفاً:
من يملك القانون؟
والجواب يجب أن يكون واحداً:
الدولة.
لا حزب.
لا طائفة.
لا ميليشيا.
لا زعيم.
ولا أي قوة فوق القانون.
ومن هنا فإن إلغاء عقوبة الإعدام يمكن أن يكون جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تعريف علاقة المواطن بالدولة: دولة تحاسب بقوة، لكنها لا تنتقم؛ دولة تفرض القانون، لكنها لا تهدر كرامة الإنسان؛ دولة تحمي المجتمع، لكنها لا تتخلى عن المبادئ التي قامت عليها العدالة الحديثة.
لبنان يستطيع أن يكون سبّاقاً... إذا تابع الطريق
القرار الذي اتخذه مجلس النواب ليس مجرد انتصار لفكرة حقوقية.
إنه اختبار لقدرة لبنان على العودة إلى موقعه الطبيعي: دولة قانون، دولة مؤسسات، دولة حريات، ودولة تضع الإنسان في قلب تشريعاتها.
وقد يكون هذا القانون واحداً من أكثر القوانين تعبيراً عن صورة لبنان التي نريدها.
لبنان الذي لا يساير المنطقة في كل شيء.
لبنان الذي يستطيع أن يقول «لا» عندما تصبح «نعم» أسهل.
لبنان الذي لا يحتاج إلى القوة كي يكون محترماً.
بل يحتاج إلى القانون كي يكون قوياً.
وهنا تحديداً يستحق وزير العدل عادل نصار، وحزب الكتائب اللبنانية، وكل من ساهم في هذا المسار، التهنئة.
لأنهم لم يشاركوا فقط في إقرار قانون.
لقد ساهموا في كتابة صفحة جديدة من تاريخ لبنان.
صفحة تقول بوضوح:
في لبنان، الدولة تعاقب... لكنها لا تقتل.
القانون يحاسب... لكنه لا ينتقم.
والعدالة تحمي المجتمع... وتحمي معها كرامة الإنسان.
وهذا، في الشرق الأوسط، ليس تفصيلاً.
إنه موقف دولة.