المصدر: النهار
الكاتب: يوسف بدر
الاثنين 27 نيسان 2026 08:00:57
صحيح أن دونالد ترامب يقول "كل حاجة وعكسها"، لكن هذه المرة لم يكن يهذي حينما أشار إلى وجود انقسامات داخل طهران بشأن إدارة المفاوضات مع واشنطن... فهناك أصوات داخل إيران بالفعل تهاجم المفاوضات.
ويكفي أن الشعار الموحّد الذي رفعه المسؤولون الإيرانيون: "إله واحد، قائد واحد، أمة واحدة، طريق واحد"، هو نفسه دليل على وجود خلافات حيال قيادة إيران ومستقبلها في ما بعد الحرب التي تقف عند خط الهدنة!
غياب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وتمرير كل قرار بوصفه فرماناً من أوامره، يثير المخاوف حيال وقوع إيران في دائرة الحكم العسكري، دون تحديد سقف لنهاية هذه المرحلة. ولذلك يُبدي الإصلاحيون والمعتدلون قلقهم من نوايا المتشددين الذين يعيشون في عوالم متخيّلة! فالفريق المعتدل تشغله مسألة الاقتصاد والتنمية ومستقبل البلاد، بينما المتشددون يطلقون الشعارات ويتشرنقون بها، ويتذرعون بكلمة "ثوري" لتحديد إن كان الفرد مخلصاً للثورة أو في صفّ الأعداء، بينما الفريق المعتدل يؤكد كلمة "وطني" لتحديد إن كان يعمل لمصلحة الدولة أم لا، وإن كانت رؤيته مختلفة ومعارضة!
انقسامات بين المحافظين
من المعروف أن التيار المحافظ داخل إيران يدور بين قطبي التشدد والاعتدال، وهو المعسكر الذي يشهد انقساماً أكثر من التيار الإصلاحي الذي هدفه نهاية الحرب؛ حتى إن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، المحسوب على المحافظين، لم يسلم من سهام انتقاداتهم، لدرجة أنه تم الإعلان عن مغادرته رئاسة فريق التفاوض، وهو ما نُفي في ما بعد أمام مخاوف من انقسام القرار الإيراني. والسبب يرجع إلى شخصيات متطرفة، مثل البرلماني محمود نبويان، عضو جبهة الثبات الأصولية المتشددة، والمعروف بمعارضته للاتفاق النووي، ومن أبرز الداعمين لحكومة الظل التي يقودها المرشح الرئاسي الخاسر سعيد جليلي، الذي قاد المفاوضات النووية إبان ولاية محمود أحمدي نجاد، فقط من أجل التفاوض لا أكثر، لا من أجل استقرار أوضاع بلاده.
ومع ذلك، كان نبويان ضمن فريق التفاوض الإيراني، بينما هو يعارضها ويعلنها صراحةً أن المفاوضات خطأ استراتيجي، ويخوّن فريقها، ويطالب بعدم ذهابهم إلى جولة ثانية!
هذا الوضع من الخلافات دفع صحيفة "كيهان"، المعروفة بخطها المتشدد، إلى أن تبدي قلقها من ارتفاع أصوات المتطرفين الذين يهاجمون الجناح المعتدل من المحافظين، حتى أنها حذرت من وجود مندسّين في التجمعات الليلية يرفعون شعارات متطرفة ويتحدثون باسم الثورية.
وهذا مشهد آخر من الانقسام؛ فسيطرة أصوات متطرفة على منصات الميادين في شوارع إيران جعلت جانباً من المعتدلين والإصلاحيين ينأى عن المشاركة. حتى أن صحيفة "جمهوري إسلامي"، المحسوبة على الجناح المحافظ المعتدل، أشارت إلى أن مَن يرفعون شعار الثورية هم أكثر من أفاد العدو الأميركي، بصراخهم العالي! وهذا دليل على أن الداخل الإيراني ليس واحداً؛ فالاتحاد على مجابهة العدو لا يعني أن هناك وحدة سياسية، كما يتوهم المتشددون.
لا ثقة ببلد منقسم
هذا الوضع من عدم الانسجام داخل فريق التفاوض الإيراني هو نفسه ما تعيشه إيران منذ سنوات، خاصة بعدما شعر المتشددون بالخطر على مستقبلهم وثوريتهم التي يتكسّبون منها، وذلك بعد وصول حكومة إصلاحية على يد محمد خاتمي بين عامي (1997-2005).
ولم يكن القلق من وجود صوتين داخل إيران قد أبداه الغربيون فحسب؛ بل إن القوى الإقليمية أيضاً شعرت بذلك، وهو ما جعلها لا تستجيب لدعوات الحوار إبان عهد الرئيس الإصلاحي حسن روحاني. فلم يتوقف وزير خارجيته جواد ظريف عن طرح مبادرات إقليمية لحلّ الأزمات بين ضفتي الخليج، منها مبادرتا هرمز والمنارة اللتان هدفهما إرساء السلام الإقليمي وحل الأزمة النووية. لكن للأسف، كان صوت المتشددين أعلى من صوت المعتدلين، وهو ما جعل القوى الإقليمية تبحث عن أفعالٍ أكثر من كلام!