المصدر: النهار
الكاتب: ابراهيم بيرم
الجمعة 27 شباط 2026 08:55:59
في الأيام القليلة الماضية، رفعت إسرائيل منسوب ضغوطها على الجيش اللبناني في المناطق الحدودية، سواء على مستوى الاعتراض على إقامة موقع وتحصينات له في المناطق الأمامية المتاخمة مباشرة للمواقع الإسرائيلية والتي باتت تعرف بمناطق "التسلل"، أو لجهة مقاطعة الوفد الإسرائيلي الاجتماع الأخير للجنة "الميكانيزم" من دون أن يقدم أيّ تبريرات.
ليست المرة الأولى تسجّل التقارير احتكاكات بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية منذ بدء "حرب الإسناد" وما بعدها، فثمة تقديرات تذكر أن هناك أكثر من 40 عسكريا لبنانيا بينهم ضباط قد سقطوا شهداء وجرحى بالرصاص الإسرائيلي في مناطق شتى، لكن الاحتكاك الذي سُجّل قبل نحو أربعة أيام في منطقة سردا قبالة بلدة الخيام كان له وقع خاص، انطوى على الكثير من الأبعاد المتصلة بمستقبل الوضع في المنطقة الحدودية.
المعلوم أن الاحتكاك بدأ عندما عارض الجيش الإسرائيلي إقامة الجيش اللبناني موقعا له في البلدة بقصد ردعه عن التعرض للمزارعين في تلك المنطقة الزراعية. فضلا عن ذلك، فإن النقطة العسكرية التي شرع الجيش في إقامتها كانت واحدة من سلسلة نقاط مماثلة قررت قيادة الجيش إقامتها في العديد من النقاط الحدودية للحيلولة دون تسلل وحدات إسرائيلية في اتجاه عمق بلدات الحافة الأمامية أو في خراجها ونسف منازل مهجورة.
واقع الحال هذا دفع بلديات تلك البلدات وفاعلياتها وأهاليها إلى مراجعة الجهات الرسمية المعنية وقيادة المؤسسة العسكرية مطالبة بإجراءات ردعية واحترازية تمنع الإسرائيلي من المضي في لعبة استباحة البلدات والأملاك والسيادة، بما يثبت أن لبنان ليس في وارد الخضوع لسياسة الأرض المعدومة الحياة، توطئة لما قيل إنه مناطق اقتصادية.
وعليه، فإن الإصرار الذي أبداه الجيش على موقفه في موقع سردا، يعكس ضمنا صراع إرادات حقيقية، إذ إن لبنان أراد إثبات حضوره وسيادته على أرضه، فيما أراد الإسرائيلي منع الجيش من أداء المهمة المنوطة به، تمهيدا لتعطيل دوره على المستوى البعيد، وفق ما يقول العميد المتقاعد الياس فرحات الذي يضيف: "الجيش يقوم بدوره ومهمته كاملين عندما يؤسس لإنشاء مواقع حدودية جديدة أو يدعم مواقع أخرى أنشئت من قَبل، لعلمه أن سكان المناطق الحدودية والأمامية في حاجة ماسة إلى من يبث الطمأنينة في نفوسهم ويشجعهم على العودة إلى بيوتهم وأملاكهم، لا أن تبقى مستباحة من الاحتلال".
ويقول فرحات: "إن قوة اليونيفيل شريكة للجيش في كل ما ينفذه من خطوات وإجراءات ميدانية على طول الحدود، والإسرائيلي يريد من وراء ممارساته تلك أن يرسم حدودا مسبقة لأيّ تحرك مستقبلي للجيش في حال حصوله على الدعم الدولي المنتظر لتطوير قدراته وإمكاناته".
وبالنسبة إلى "الحرب غير المعلنة" التي يشنها الإسرائيلي على لجنة "الميكانيزم"، والتي تجلت في مقاطعة جلستها الأخيرة، يلاحظ فرحات أن "كل الوقائع تدل على أن الإسرائيلي لم يقم وزنا لهذه اللجنة منذ إنشائها ولم يلتزم مقرراتها، وخصوصا عندما رفض الانسحاب من التلال الحاكمة وواصل عدوانه اليومي على الأهالي، فضلا عن تدميره البلدات الأمامية. وبناء على هذه الوقائع، انبرى من يطرح السؤال عن لزوم هذه اللجنة. وفي كل الأحوال، تسجل الوقائع أن لبنان قرر عدم التراجع أمام الإسرائيلي، سواء من خلال الواقع الميداني حيث الجيش يمضي قدما في بناء مواقعه الحدودية متحديا الإسرائيلي، والتي بلغت بحسب التقديرات نحو خمسة مواقع مستحدثة، أو من خلال لجنة الميكانيزم نفسها حيث تفيد المعلومات أن الوفد العسكري اللبناني حمل معه إلى الاجتماع الأخير للجنة ثبتا يفند الممارسات العدوانية الإسرائيلية ضد مواقع الجيش ودورياته".