لماذا لجمت واشنطن التهديدات للسعودية وتركيا ومصر وحتى إيران؟

شهدت المنطقة في الأيام الأخيرة تصاعداً متزامناً للتهديدات على دول الشرق الأوسط الكبرى، سواء الحليفة للغرب أو غير الحليفة، بدا وكأنه موجة تنسيق إسرائيلي لإشعال أزمات داخلية وخارجية في آن واحد. السعودية واجهت تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي، تركيا وسوريا قوبلتا برفض قوات سوريا الديمقراطية (قسد) للاندماج، مصر استمرت في أزمة سد النهضة مع إثيوبيا، وحتى إيران شهدت تصعيداً داخلياً. المفاجأة؟ توقفت هذه التهديدات فجأة، وبشكل متزامن، بدعم أميركي مباشر.

هذه التزامنات الدقيقة في التصعيد والإخماد لم تحدث صدفة. بينما كانت إسرائيل وراء تصعيد التهديدات، كان إخمادها بيد أميركا، والرسالة واضحة: المنطقة يجب أن تبقى فناءً هادئاً وخالية من الفوضى، لضمان قدرة واشنطن على توجيه أولوياتها العالمية. ولو كانت أولوية واشنطن تكمن في حماية حلفائها التقليديين، لما أُدرجت إيران غير الحليفة ضمن المعادلة الأميركية لتأمين المنطقة. هذا يفسر أن تحركات واشنطن لوقف التهديدات تهدف إلى تركيزها على ضمان أمن الممرات المائية الحيوية وعرقلة تقدم الصين وروسيا، بدءاً من ممر القطب الشمالي، مروراً بممر بنما، وصولاً إلى مضيق هرمز وباب المندب.

 

تأمين فناء الشرق الأوسط

شمال شرق سوريا كان الأخطر على تركيا، حيث حاولت "قسد" فرض حكم ذاتي موسع، وهو مشروع انفصالي يهدد الأمن القومي التركي، وامتنعت عن تطبيق الاتفاق الاندماجي مع الحكومة السورية الموقع في آذار/مارس 2025. وبالرغم من التوتر والمعارك مع القوات السورية، كانت بصمة التدخل الأميركي واضحة في لجم "قسد" وتحديد مناطق النفوذ بما يحمي دمشق وأنقرة.

في الجنوب اليمني، اقترب المجلس الانتقالي من خلق تهديد مباشر للأمن القومي السعودي. أميركا دعمت الرياض سياسياً، دفعت الانفصاليين لتسوية، وعززت قدرة السعودية على إدارة الحوار الجنوبي دون مواجهة عسكرية.

مصر تواجه تهديداً وجودياً من سد النهضة، خصوصاً بعد تقارب إثيوبيا مع الصين. الولايات المتحدة ضغطت سياسياً ومالياً، وأعلنت استعدادها لإعادة إطلاق الوساطة الأميركية بين القاهرة وأديس أبابا، لضمان اتفاق نهائي يقنن حقوق مصر المائية ويحتوي أي تهديد محتمل لموارد النيل.

حتى إيران، التي كانت معرضة لضربات أميركية محتملة، تم احتواؤها في اللحظة الأخيرة. إدارة ترامب ألغت الضربة رغم جاهزية القوات الأميركية وقواعد المنطقة، لأن أولويات واشنطن تتطلب استقراراً مؤقتاً.

ورغم التدخل الأميركي، لم تُلغَ التهديدات بالكامل، بل تم ضبطها واحتواؤها. بمعنى آخر، القدرة الانفصالية ما زالت موجودة، لكنها اليوم ورقة على الطاولة بلا قدرة على زعزعة الاستقرار، مما يتيح لأميركا فرض سيطرتها على القرار الاستراتيجي في المنطقة بينما تتحرك في أماكن أخرى.

 

أولويات أميركا العالمية: الممرات المائية أولاً

جعل المنطقة هادئة وتحت السيطرة الأميركية يهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية أكبر، تتعلق بالممرات المائية. ممر القطب الشمالي، عبر ضم جزيرة غرينلاند، يهدف إلى صد النفوذ الروسي والصيني، ممر بنما يمر عبر السيطرة على كوبا بعد فنزويلا للتحكم بنصف الكرة الغربي، إضافة إلى مضيق هرمز وباب المندب. رغم أن هذين المضيقين يمثلان أولوية قصوى أيضاً، فإن وصول مجموعة حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" من بحر الصين الجنوبي يستغرق نحو عشرة أيام أخرى، ما يجعل ضبط الوضع في الشرق الأوسط أولوية عاجلة لواشنطن في الوقت الضائع، الذي تريد استغلاله لفرض سيطرتها على الممرات الأخرى.

ضبط الوضع في الشرق الأوسط هو لفترة محدودة، إذ لم تُلغَ التهديدات بالكامل. فإسرائيل تواصل ضرباتها المحدودة، خصوصاً ضد حزب الله في لبنان، وتنتظر تشكيل هيئة دولية في غزة لنزع سلاح حماس، بينما المعارك ضد الحوثيين مؤجلة لتتزامن مع أي تصعيد محتمل مرتبط بإيران.

ورغم هذا الترتيب الواضح، تبقى أميركا مليئة بالمفاجآت. تحركاتها وتصريحاتها العلنية قد تخفي أولويات حقيقية مختلفة، وقد تتغير المفاجآت في أي لحظة بحسب التطورات الميدانية أو الحسابات الجيوسياسية الجديدة. لكن النتيجة الراهنة تتلخص في أن أميركا أوقفت التهديدات في توقيت دقيق، وأرسلت رسالة قوة لكل الأطراف، وأمّنت المنطقة مؤقتاً خلفية لمشاريعها الاستراتيجية الكبرى، مع إبقاء إسرائيل تعمل ضمن حدود الضغوط الأميركية حتى التوقيت المناسب للخطوة التالية.