لهذه الأسباب سيسحب ترامب فكرة تدخل الشرع في لبنان

لا تزال زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون لواشنطن تتصدّر المشهد السياسي اللبناني. ويبدو أن كثيراً من النتائج التي ترتبت عليها لم يُكشف عنها بالكامل بعد، ولا سيما خفايا المباحثات التي جرت بين الرئيس عون والوفد المرافق له من جهة، والمسؤولين الأميركيين من جهة أخرى.

ولعلّ من أبرز المواضيع التي أُثيرت في واشنطن المبادرة الحسّاسة التي يكرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحديث عنها بين الحين والآخر، والقائمة على اعتبار أن الرئيس السوري أحمد الشرع هو الوحيد القادر على التعامل عسكرياً مع "حزب الله". وليس سراً أن هذا الطرح يُزعج السلطات اللبنانية، ولا سيما الرئيس عون الذي يرفض رفضاً قاطعاً أي تدخل سوري في الشأن اللبناني.

وقد شرح الرئيس عون والوفد المرافق للمسؤولين الأميركيين في وزارة الخارجية والبيت الأبيض أن المكاسب المحتملة من تنفيذ هذه الفكرة محدودة جداً، في حين أن تداعياتها السلبية ستكون كبيرة، وفي مقدمها تعريض استقرار الشرق الأوسط ومصالح الولايات المتحدة لمزيد من المخاطر.

وتشير مصادر مطّلعة إلى أنه ليس بالضرورة أن يتحوّل كل ما يطرحه ترامب إلى سياسات قابلة للتنفيذ، مستشهدة بعدد من المبادرات التي بقيت في إطار الطرح، بدءاً من مشروع "ريفييرا غزة"، مروراً بضمّ غرينلاند، وعزل الهند، وصولاً إلى الحياد في أوكرانيا، وهي جميعها أفكار لم تحقق النجاح خلال الولاية الثانية لترامب. ومن بين هذه الطروحات المثيرة للجدل أيضاً فكرة نشر الجيش السوري في لبنان لمواجهة "حزب الله".

لذلك، كان لا بدّ للرئيس اللبناني من توضيح موقف الدولة اللبنانية من هذه الفكرة. وتفيد المصادر بأن مسؤولين كباراً في الإدارة الأميركية اقتنعوا بوجهة النظر اللبنانية، وأصبحوا يرون أن أي تدخل سوري في لبنان من شأنه أن يُفاقم عدم الاستقرار الإقليمي ويُلحق ضرراً مباشراً بالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

كما طمأن هؤلاء المسؤولون الوفد اللبناني إلى أن ترامب لا يتمسك بهذه المبادرة، بل يستخدمها كورقة ضغط في مقاربته للملف اللبناني. وأضافوا أنه حتى لو قرر المضي بها، فإن دبلوماسيين أميركيين من أصل لبناني، وفي مقدمهم السفير الأميركي ميشال عيسى ومسعد بولس، سيعملون على إقناعه، بالمنطق، بالمخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها.

وتشير المصادر أيضاً إلى أن حلفاء واشنطن التقليديين في الشرق الأوسط، وفي مقدّمهم تركيا والمملكة العربية السعودية، لا يؤيدون أصلاً أي تدخل سوري في لبنان، نظراً إلى التاريخ المعقّد بين البلدين، ولا سيما خلال حقبة نظام الأسد الذي حكم سوريا منذ العام 1970 وحتى سقوطه في العام 2024، ولم يعترف يوماً بالسيادة اللبنانية.

وتلفت المصادر إلى أن الهواجس اللبنانية لقيت تفهماً عميقاً لدى المسؤولين الأميركيين، وهي هواجس مشروعة في ظل وجود مقاتلين أجانب داخل الجيش السوري، وبعضهم يحمل توجّهات دينية متطرفة. وترى هذه المصادر أن دخول مثل هذه القوات إلى لبنان قد يؤدي إلى مواجهات طائفية عنيفة بين السنّة والشيعة، خصوصاً أن "حزب الله" شارك، إلى جانب الحرس الثوري الإيراني، في دعم نظام الأسد خلال الحرب السورية، الأمر الذي ولّد عداءً عميقاً بين الطرفين. وبالتالي، فإن أي احتكاك مباشر قد يدفع لبنان نحو صراع طائفي خطير، ولا سيما إذا انضمّت جماعات جهادية سنية لبنانية إلى القتال.

وتكشف المصادر أن المنطق الذي اعتمده الرئيس عون لإبعاد هذه الفكرة عن تفكير ترامب ارتكز على مبدأ السيادة اللبنانية، إذ إن دعوة سوريا إلى العودة عسكرياً إلى لبنان لمواجهة "الحزب" تتناقض بصورة مباشرة مع الهدف الذي تعلنه واشنطن بدعم سيادة لبنان. فمن الصعب الادعاء بأن الإدارة الأميركية تعمل على تعزيز السيادة اللبنانية، فيما تسمح، أو حتى تشجّع، سوريا وإسرائيل على نشر قواتهما داخل الأراضي اللبنانية.

وتؤكد المصادر أن المسؤولين الأميركيين أبلغوا الرئيس عون بأن الرئيس أحمد الشرع نفسه غير راغب في هذا التدخل، رغم تكرار ترامب طرح الفكرة، لأن أي عملية عسكرية داخل لبنان ستكون لها انعكاسات سلبية على الحكومة السورية الجديدة. كما أن ترامب استثمر سياسياً في نجاح مرحلة ما بعد الأسد، وهو يدرك أن دمشق لا تزال تواجه تحديات اقتصادية وأمنية هائلة تجعل أي مغامرة عسكرية خارج حدودها خياراً غير واقعي.

وترى مصادر أميركية أن الجيش السوري، الذي لا يزال محدود القدرات، قد يتعرض لضغط كبير إذا دفع بأعداد كبيرة من قواته إلى لبنان، الأمر الذي قد يخلق فراغاً أمنياً داخل سوريا تستغله فلول تنظيم "داعش"، ولا سيما بعد الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من الأراضي السورية.

وتؤكد المصادر أن الانطباعات التي تكوّنت لدى المسؤولين الأميركيين تشير إلى أن الرئيس الشرع يدرك أن أي مغامرة عسكرية في لبنان ستُضعف الجيش السوري وحكومته، أو تستنزف قدراتهما، كما ستصرف اهتمامهما عن تنفيذ الوعود التي قُطعت للشعب السوري بإعادة بناء الدولة وتحسين ظروف الحياة بعد ستة عقود من الحكم الاستبدادي. وخلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، ركّزت دمشق جهودها بصورة مكثفة على إدارة المرحلة الانتقالية الهشّة، وإعادة إعمار البلاد، وإحياء مؤسسات الدولة.

وتعتقد المصادر أن العامل الأكثر تأثيراً في دفع ترامب إلى التراجع عن هذه المبادرة هو أنها لا تخدم المصالح الأميركية، وهو الذي يرفع شعار "أميركا أولاً". لكنها تعترف في المقابل بأن الرئيس الأميركي بدأ يفقد صبره إزاء بطء مسار نزع سلاح "الحزب". ومع ذلك، ترى أن الخيار السوري لن يعالج المشكلة، بل قد يزيدها تعقيداً.

وفي هذا السياق، قدّم الرئيس عون، بحسب المصادر، بدائل أكثر واقعية تقوم على تعزيز قدرات الجيش اللبناني وتسليحه ودعمه، باعتباره الخيار الأكثر حكمة واستدامة، إلى جانب مواصلة المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية التي ترعاها واشنطن، والتي تتقدم ببطء ولكن بثبات. ويُعدّ الاتفاق الإطاري الأخير مؤشراً إيجابياً في هذا المسار.

ويوافق عدد من المسؤولين الأميركيين على أن مبادرة ترامب المتعلقة بإشراك سوريا تعاني ضعفاً في التخطيط وتنطوي على مخاطر كبيرة. ولحسن الحظ، فإن الرئيس أحمد الشرع يدرك هذه المخاطر، وقد تحلّى حتى الآن بالحكمة والواقعية في رفضها، مدعوماً أيضاً بموقف تركي رافض لأي تدخل سوري في لبنان. ومن المفارقات أن هذا التعقّل السياسي قد يجنّب إدارة ترامب الوقوع في أزمة جديدة غير ضرورية في سياستها الخارجية.