ليست أزمة عالمية فقط.. المواطن يدفع ثمن السلاح وتردد الدولة أيضًا

يعود اللبنانيون إلى المدارس، ومعها يعود موسم الهموم: أقساط، كتب، قرطاسية، نقل وملابس. وبعدها بأشهر قليلة، يطلّ الشتاء بسؤال أصعب: كيف ستؤمّن العائلة كلفة التدفئة والكهرباء وسائر مستلزمات الحياة؟

هذه لم تعد أسئلة استثنائية، بل جزء من يوميات اللبناني. المواطن الذي أنهكته السنوات الماضية يدخل موسمًا جديدًا، فيما قدرته الشرائية لم تستعد عافيتها.

صحيح أن الأزمة الاقتصادية عالمية. الحروب، وما يجري حول مضيق هرمز يزيد المخاوف من ارتفاع النفط والتضخم. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ التضخم العالمي نحو 4.7% في 2026.

لكن المفارقة أن لبنان يدخل هذه الأزمة وهو أصلًا مثقل بأزمات سياسية ومالية. لذلك يدفع المواطن ثمن الأزمة العالمية، وفوقها ثمن أزمات بلده. والتضخم السنوي في لبنان بلغ 15.69% في تموز 2026.

وهنا لا يمكن تجاهل الفيل الموجود في الغرفة:" قرار الحرب والسلاح خارج إطار الدولة".

لبنان لم يكن مضطرًا لأن يكون ساحة للصراع الإقليمي. والمواطن لم يكن بحاجة إلى حرب جديدة تضاف إلى انهيار استنزف مدخراته وقدرته على تأمين أبسط احتياجاته. دخول حزب الله في الحرب جرّ لبنان مجددًا إلى دائرة النار، فيما لا يزال الجنوب يدفع الثمن، وتحتاج القرى والمنازل والبنى التحتية إلى إعادة إعمار.

هذه ليست مسألة سياسية منفصلة عن الاقتصاد.

السلاح خارج الدولة يعني بلدًا غير مستقر، وقرارًا غير واضح، واستثمارًا مترددًا. رأس المال لا يأتي إلى دولة لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم.

لذلك، فإن حصرية السلاح بيد الدولة لم تعد مجرد قضية سياسية أو أمنية. لقد أصبحت جزءًا من معركة إنقاذ الاقتصاد اللبناني.
والدليل ليس بعيدًا. انظروا إلى سوريا.

لا يعني ذلك أن سوريا خرجت من أزمتها أو أن اقتصادها أصبح بخير. لكنها خلال السنة الماضية بدأت تسجل تحولًا يستحق التوقف عنده. صندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد السوري بأرقام من خانتين في 2026، مع تحسن النشاط الاقتصادي وعودة نحو 1.5 مليون لاجئ.

والأهم أن سوريا بدأت تستعيد موقعها على خريطة الاستثمار الإقليمي، مع تدفق استثمارات سعودية وإماراتية واتساع الانفتاح الاقتصادي. وفي 24 آب، أزالت الولايات المتحدة سوريا رسميًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة تفتح مجالًا أوسع أمام الاستثمار وإعادة الاندماج الاقتصادي.

قد تكون أمام سوريا تحديات كبيرة، لكن الدرس واضح: عندما تستعيد الدولة قرارها وتفتح أبوابها أمام العالم، تبدأ فرص التعافي بالظهور.
واليوم، لم يعد أبناء الجنوب وحدهم ينتظرون إعادة الإعمار. كل اللبنانيين ينتظرون إعادة بناء الدولة.

اللبناني الذي يبحث عن مدرسة لأولاده، أو راتب يكفيه حتى نهاية الشهر، أو وسيلة تدفئة في الشتاء، بات معنيًا مباشرة بحل مشكلة السلاح. القضية لم تعد بعيدة عنه. وصلت إلى منزله وفاتورته وعمله ومستقبل أولاده.

لكن في المقابل، لا يجوز أن تتحول حصرية السلاح إلى شماعة تعلق عليها الدولة كل عجزها.

هناك الكثير مما تستطيع الدولة فعله الآن: تعيينات على أساس الكفاءة لا التراضي، رقابة صارمة على الإنفاق، مواجهة جدية للتهرب الجمركي والضريبي بدل فرض الضرائب، مكافحة الفساد، وإجراءات ميدانية بدل الاكتفاء بالبيانات.

لم يعد اللبناني يحتمل سياسة "فرك اليدين" وانتظار الظروف المناسبة.

الظروف المناسبة لا تأتي وحدها، الدول تصنعها. فاللبناني لا يطلب المستحيل، يريد دولة تحميه، واقتصادًا يؤمّن له حياة كريمة، ومستقبلًا لا تكون فيه كل أزمة إقليمية فاتورة جديدة يدفعها من جيبه.