مؤتمر دعم الجيش: عودة فرنسيّة متجدّدة

ينتقل الإجماع الدوليّ على وجوب انتشار الجيش اللبنانيّ في الجنوب اللبنانيّ لاستعادة السيادة اللبنانيّة واحتكار الدولة للسلاح بموازاة انسحاب إسرائيل، إلى المستوى العمليّ بانعقاد المؤتمر التحضيريّ لدعم الجيش في باريس اليوم. ترافق افتتاح الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون والملك الأردنيّ عبدالله الثاني والرئيس جوزف عون المؤتمر مداولاتٌ بينهم حول ما آل إليه الوضع الميدانيّ، العراقيل أمام مسار واشنطن وروما للتفاوض وبدائل “اليونيفيل” بعد انسحابها، تداركاً للفراغ. الحدث يشكّل استدراكاً لبنانيّاً لاستبعاد فرنسا من قبل تل أبيب وواشنطن عن صيغة المفاوضات، الذي كان أزعج قيادتها.

ينتظر أن يعرض قائد الجيش العماد رودولف هيكل الخطّة العسكريّة التفصيليّة لانتشار الجيش أمام رؤساء أركان وقادة جيوش غربيّة وعربيّة، وتحديد حاجات المؤسّسة العسكريّة التسليحيّة والتدريبيّة.

المشاركة على مستوى عسكريّ عالٍ تشمل الولايات المتّحدة الأميركيّة، السعوديّة، الأردن، مصر، قطر، الإمارات، الكويت، بريطانيا، إيطاليا، إسبانيا، ألمانيا، هولندا، قبرص، وغيرها… على أن يُترك إعلان الدول مساهماتها في الدعم إلى مؤتمر آخر وللعلاقة الثنائيّة مع لبنان… فلكلّ دولة تقويمها.

منتدى العقبة والبعد الإقليميّ

لانعقاد المؤتمر في باريس أبعاد عدّة:

– حرص الملك الأردنيّ على عقد مؤتمر باريس ضمن جولات “مسار العقبة” (أو مبادرة اجتماعات العقبة) التي أطلقها في العام 2015 كإطار للتعاون الدوليّ والتنسيق الأمنيّ والسياسيّ في المنطقة، وهو منتدى يحضره دوريّاً قادة عسكريّون وخبراء من مستوى عالٍ. وتمّ تخصيص الجولة الحاليّة لبحث سبل دعم استقرار لبنان ودعم القوى المسلّحة اللبنانيّة… ما يمنح المؤتمر بعداً يتعلّق بالأمن الإقليميّ، ما دام هدفه أمن لبنان واستقراره ودور الجيش اللبنانيّ في تحقيق السيادة على الأراضي اللبنانيّة كافّة، بدءاً من الجنوب.

– يأمل المعنيّون بالمؤتمر البحث ببدائل “اليونيفيل” بعد انسحابها الذي سيحصل “بسرعة”. وفيما يراعي الجانب الأميركيّ حاليّاً رؤية إسرائيل بحصر ضمان أمنها وأمن الجنوب بالعلاقة بين الجيشين الإسرائيليّ واللبنانيّ، فإنّ رئيسَي فرنسا ولبنان والملك الأردنيّ سيتطرّقون قبل أعمال المؤتمر، إلى الدور الدوليّ في مواكبة الأضلع الثلاثة لأمن الجنوب: انتشار الجيش، سحب سلاح “الحزب”، وانسحاب إسرائيل من لبنان.

تواصل فرنسا حواراً مكثّفاً في شأن بدائل “اليونيفيل” مع إيطاليا التي لديها أكبر قوّة عسكريّة في عدادها. وتواصل حوارها مع واشنطن أيضاً، على الرغم من التباعد حيال الموقف من ممارسات إسرائيل وفي مسائل دوليّة أخرى.

علم “أساس” أنّ السفير الفرنسيّ الجديد في بيروت باتريك دوريل التقى نظيره الأميركيّ ميشال عيسى فور وصوله إلى بيروت للتنسيق حول لبنان. والدبلوماسيّة الفرنسيّة تتناول وضع الجنوب مع واشنطن. الجانب الفرنسي يرتكز منذ 50 سنة على مبدأين: مساندة سيادة واستقرار لبنان وضمان أمن إسرائيل. يعيد ذلك كلّه الاعتبار للقرار 1701 الذي تعكس بنوده الحلول لكلّ المعضلات وتبقى صالحة. لكن وجب قيام حوار معمّق مع لبنان حول ما يريده.

قاعدة واقعيّة للدّور الفرنسيّ

– ينعقد المؤتمر في ظلّ تباطؤ ديناميّة المفاوضات الثنائيّة برعاية أميركيّة في التوصّل لنتائج ميدانيّة (ومن الأسباب الانتخابات الإسرائيليّة)، فضلاً عن عدم احترام إسرائيل وقف النار ومواصلتها العمليّات العسكريّة المعيقة لعودة السلطة اللبنانيّة. وعلى الرغم من انزعاج باريس من استبعادها عن “اتّفاق الإطار” في 26 حزيران الماضي، الذي يشمل عتباً سبق أن عبّرت عنه على السلطة اللبنانيّة، فهي رحّبت بشجاعة الرئيس عون في الإقبال على التفاوض المباشر.

تقارب باريس ما يعنيها من الميدان. من الأمثلة إقفال المدرسة الفرنسيّة في النبطيّة بسبب التصعيد العسكريّ. كثرٌ من الفرنسيّين من أصل لبنانيّ من الجنوب، ومن يعيشون فيه خسروا كلّ شيء ودُمّرت منازلهم ونزحوا ويعيشون الكارثة… ما يفرض التحرّك الدبلوماسيّ لمعالجة المأساة.

من المرتكزات التي تعاكس استبعاد باريس وقائع الأسبوعين الأخيرين:

1- زيارة وزير العدل الفرنسيّ جيرالد درمنان في سياق المساعدة الفرنسيّة على تنفيذ الإصلاحات. باريس اعتبرها جزءاً من تمكين الدولة من استعادة سيادتها.

2- اتفاق تطوير مرفأ بيروت الذي وقّعه رئيس شركة CMA CGM رودولف سعادة قبل أربعة أيّام لتطوير مرفأ بيروت باستثمار يصل إلى مئة مليون يورو.

3- السفير الجديد دوريل شارك في افتتاح عودة الدراسة بعد العطلة إلى أربع مدارس فرنسيّة من أصل 67 مدرسة تحتضن زهاء 70 ألف تلميذ، ما يشير إلى اتّساع نطاق الفرنكوفونيّة.

4- فرنسا قدّمت هذه السنة مساعدات للجيش بقيمة 30 مليون يورو.

باريس لن تتوسّل

إلّا أنّ باريس لن تتوسّل إشراكها في صيغة “الميكانيزم” لمراقبة تنفيذ مراحل الاتّفاق أو البديل عنه، إذا أصرّ اللاعبون على استبعادها. بالمقابل يعيد انعقاد مؤتمر دعم الجيش في باريس تحديداً، دور فرنسا إلى الواجهة، خلافاً لرغبة إسرائيل باستبعاده.

في فرنسا اعتقاد واقعيّ بعدم إمكانيّة حصر الحلّ بمطالبة الجيش بالانتشار أو بعنوان سحب سلاح “الحزب” وحده، ولا بمطلب انسحاب إسرائيل، لأنّ العناوين الثلاثة مترابطة والأمور ليست إمّا أسود وإمّا أبيض. لكنّ الأساس هو استعادة الجيش السيادة. وإذا حصل لبنان على انسحاب إسرائيل في إطار “المناطق التجريبيّة” التي تَعَرقَلَ توسيعها، فسيكون الأمر استعادة تدريجيّة للسيادة، والمهمّ أنّها بدأت. وعلى الرغم من تراجع تنفيذ “الإطار”، تتطلّع فرنسا إلى المساهمة في تحريك ديناميّته ولو أنّها لم تشارك في صياغته. مؤتمر باريس يقع في صلب هذه الفلسفة.

السّلاح مسألة إقليميّة ولكن…

صحيح أنّ سلاح “الحزب” مسألة إقليميّة، وأنّ تقدّم التفاوض الأميركيّ الإيرانيّ يسهّل مقاربته، لكن هل يجب انتظار اتّفاق أميركا مع إيران أم يجب التهيّؤ للأمر وحين يحصل التفاهم تكون ديناميّة الانسحاب وانتشار الجيش وسحب السلاح قد انطلقت؟

مع الإقرار بالحاجة إلى حلّ سياسيّ للسلاح فإنّ قيام الجيش بما عليه يترافق معه، وهناك فرصة يجب الإفادة منها. أمّا الحوار بين باريس وطهران فليس بأفضل حال، على الرغم من استمراره على المستوى الأمنيّ مع “الحزب”. ومن نقاط ضعفه أنّ باريس لم تنسَ مقتل جنديّين من الوحدة الفرنسيّة في “اليونيفيل” في الجنوب، من دون محاسبة الفاعلين، وجنديّ ثالث في العراق… لكن من القدر أن يصادر “الحزب” سياسة البلد، وأنّه ليس ميليشيا فقط بل جزء من البلد…