مؤسسات الدولة أمام إنذار "كهرباء لبنان": 5 أيام تفصلها عن العتمة؟

تصوّروا سيناريو غير مألوف: مؤسسات وإدارات عامة بلا كهرباء! 

عادة، تنقطع الكهرباء عن بيوت اللبنانيين وأشغالهم إن لم يسدّدوا فواتيرهم، فهل يمكن أن نكون أمام مشهد غير مسبوق: إدارات عامة من دون كهرباء؟

في الأيام الأخيرة، برزت مؤسسة كهرباء لبنان في مواجهة الإدارات العامة. فلقد حذّرت المؤسسة هذه الإدارات من عدم تسديد فواتيرها والمتأخرات، وأمهلتها خمسة أيام قبل القطع النهائي، بدءاً من 17 آب الحالي.

فهل يصل الأمر فعلاً إلى قطع الكهرباء عن مؤسسات يفترض أن تكون في صلب عمل الدولة؟ وهل تملك "كهرباء لبنان" الحق والسلطة لقطع التيار؟ أو أن الأمر يدخل في إطار تعطيل عمل المرفق العام؟

مشكلة جباية

ينطلق رئيس "المعهد اللبناني لدراسات السوق" الدكتور باتريك مارديني من تحديد مشكلة الكهرباء، واعتبارها "مشكلة جباية"، قائلاً: "أقدم مجلس إدارة كهرباء لبنان منذ أن تسلم مهماته الجديدة على خطوات ممتازة، على الرغم من العوائق الداخلية. فقد أقرّ خطة للحوكمة احتراما للشفافية والمحاسبة. لذلك اصطدم بمحاولات داخلية لعرقلتها، لكنه نجح في تمريرها لأن صاحب الحق سلطان. ومن ضمن هذه الإجراءات، الخطوة المهمة الأخيرة عبر وضع الإصبع على الجرح".

يوضح مارديني أن "السبب الأساسي لانقطاع الكهرباء هو عدم توافر أموال لشراء الفيول، والأموال تأتي من تسديد الفواتير، وثمة فواتير لا تُدفع. لذا فإن المشكلة الأساسية للكهرباء هي مشكلة جباية. وهذه الجباية لا تقتصر فقط على مؤسسات عامة، وإنما تنسحب على مناطق، منها من يدفع ومنها من لا يسدّد المتوجبات. لكن الخطوة الممتازة هي أن المؤسسة بدأت، وفق مقولة "الأقربون أولى بالمعروف"، بالمؤسسات العامة. وهذا أمر مهم جداً ينبغي استكماله".

ليس استثناء
ما يتوقف عنده مارديني لا يصفه بـ"الاستثناء". يسأل: "لمَ يجبي المولّد الكهربائي 100% من مستحقاته، وإلاّ يقطع التيار عن المشتركين، فيما تجبي مؤسسة كهرباء لبنان ما نسبته نصف الجباية ولا تقطع الكهرباء؟ المعادلة واضحة: كل خدمة ينبغي أن تقدّم مقابل بدل مالي، وعدم المحاسبة يكون كمن نشجع الناس، أي المؤسسات العامة، على عدم الدفع، إذا لم نقطع الكهرباء، وكأنهم يشرّعون المخالفة. ما حصل ليس استثناء، العكس هو الاستثناء. ينبغي احترام مبدأ الثواب والعقاب لأن الرزق السائب يعلّم الناس الحرام. هذا هو الأمر الطبيعي، وما كان يحصل سابقاً هو الاستثناء عبر تشريع المخالفات والخلل، لا سيما أن المؤسسة كانت تُدار على نحو سيئ جدا. لذا، نرى ما يحدث اليوم كأنه حدث استثنائي وضخم".

... وبعد، هل تملك مؤسسة الكهرباء سلطة القطع؟

تتمتع المؤسسة بهذه الصلاحية، إنما لا تعتبر "صلاحية مطلقة" للقطع، أي كيفما تشاء، بل ينبغي أن ترتبط "بوجود فواتير ومستحقات فعلية على الإدارة أو المؤسسة العامة، بحلول الاستحقاق مع التخلّف عن الدفع، ثم توجيه إنذار ومهلة للتسديد وفق الأصول المعمول بها وبالاستناد إلى الأنظمة والقرارات التي تجيز القطع".

وهذا ما فعلته تماماً "كهرباء لبنان" أخيراً.

يعلّق مارديني: "اليوم يضع مجلس الإدارة أسساً جديدة للحوكمة الرشيدة ويرفقها بخطوات ميدانية، ويحوّل كهرباء لبنان إلى مؤسسة تُدار في شكل طبيعي، وفق معادلة: من يدفع يأخذ الكهرباء، والعكس لا يجوز. لعقود خلت، كانت المؤسسة تدار في شكل سيئ جداً، وكأن هذا النمط بات هو الطبيعي".

ويختم: "هذا أول صيف منذ الـ2019 لا نقع في العتمة الشاملة. وعلى الوزراء والمديرين السابقين التوقف عن "التفلسف"، لأننا كل عام كنا نقع في العتمة. ما يحصل اليوم هو تفادٍ لها، عبر اللجوء إلى مداخيل توفر الاموال. سابقاً، كانوا يأخذون من أموال المودعين. وبعدما نفدت، كان لا بد من خطوات سليمة ورشيدة".