ماكرون-الشرع وتقاطع الخطوط بوجه نتنياهو: لبنان-تركيا-الخليج

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يزور سوريا للقاء الرئيس أحمد الشرع. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يزور تركيا للمشاركة في قمة الناتو، وسيلتقي بالرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والسوري أحمد الشرع. اللافت أن ماكرون يصل إلى سوريا ولا يعرج إلى لبنان على الرغم من كل أهمية هذا البلد بالنسبة إليه، لكن باريس لديها عتب كبير على لبنان بسبب عدم تمسكه بإشراكها في المفاوضات مع إسرائيل أو في لجنة الميكانيزم. قبيل زيارة ترامب لأنقرة، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لطلب موعد من الرئيس الأميركي ولقائه في البيت الأبيض. يأتي ذلك في ظل تكون موقف أميركي معارض لتوجهات نتنياهو، وإثر اختلافات متكررة بينه وبين ترامب، كما أن تطويق نتنياهو يُستكمل دولياً من خلال اعتراضات دولية كبيرة عليه وعلى حروبه وممارساته، وهو ما سينعكس في قمة الناتو. لبنان أيضاً لا بد له من انتظار نتائج قمة الناتو، وزيارة الرئيس جوزاف عون واشنطن وسياقها وما يمكن أن تحققه من نتائج. 

 

من المتوسط إلى البحر الأحمر

مجدداً، هو الصراع الدائر والممتد ما بين البحر المتوسط، والبحر الأحمر ومضيق هرمز أيضاً. هذه الملفات ستكون حاضرة كلها في قمة الناتو، لكن المؤكد أن أوروبا ودول الخليج كانت أكثر الدول تضرراً من الحرب على إيران ونتائجها وإغلاق مضيق هرمز. تبحث الدول عن ممرات جديدة، وتحالفات عديدة ومتنوعة، بهدف تأمين ممرات التجارة والطاقة ومنابعها. هناك تركيز أوروبي على منطقة شرق المتوسط، وفيه لا مجال للتخلي عن تركيا التي تعلم ذلك جيداً، وتحاول المراكمة على علاقة قوية مع إدارة ترامب، وعلى خلافات كبيرة بين الأوروبيين وإسرائيل، كما أن تركيا تستفيد من علاقتها بسوريا الجديدة ونفوذها المتوسع في المنطقة. كما أنه في مجالات النفط والغاز، والتجارة والاقتصاد والاستثمارات لا مجال للتخلي أو لتجاوز دول الخليج. ومن هنا يصبح الاهتمام مضاعفاً بين هذه القوى الدولية بوضع المنطقة من المشرق العربي إلى الخليج العربي. 

 

أمام هذه الحسابات، ترتفع حدة الصراع التركي الإسرائيلي. إذ تسعى إسرائيل إلى تطويق تركيا انطلاقاً من لبنان وسوريا، إما بالضغط العسكري وتوسيع الاحتلال وإما باستدراجهما إلى اتفاقات. وهذا ما يحاول نتنياهو استغلاله في لبنان أولاً للوصول إلى اتفاقات سياسية واقتصادية. وثانياً، الادعاء بأن هناك عدداً كبيراً من اللبنانيين يريدون التفاهم مع إسرائيل أو يريدون منها تخليصهم من حزب الله كما يزعم، في محاولة واضحة لوضع الدولة اللبنانية بوجه الحزب، ولخلق مشاكل داخلية على أساس طائفي. في سوريا حاول نتنياهو أيضاً استدراج دمشق إلى اتفاق ترتيبات أمنية من دون تقديم أي تنازلات، لكن الأخيرة رفضت فتواصل إسرائيل تنفيذ عمليات في الجنوب السوري وتوسيع الاحتلالات. 

 

تركيا ومخاطر المشروع الإسرائيلي

في المقابل، تعبر تركيا بوضوح عن مخاطر المشروع الإسرائيلي، لأن تل أبيب تتجهز للانتقال إلى تنفيذ عمليات أكبر في سوريا، وهو ما ورد على لسان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. إلا أن أنقرة تعمل على خلق تفاهمات متعددة مع الولايات المتحدة الأميركية، ودول أوروبية إضافة إلى دول الخليج، لأجل بناء تحالفات قائمة على مصالح مشتركة هدفها توفير الحماية لسوريا، ومنع إسرائيل من مواصلة حربها. وأبرز ما عملت عليه تركيا في الفترة الماضية، هو زيادة التنسيق مع دول عربية وخليجية بالتحديد، لا سيما السعودية وقطر، لأجل ترتيب الأوضاع في سوريا، كما أنه بالتفاهم مع واشنطن أدخلت أنقرة تعزيزات عسكرية دفاعية إلى سوريا، من بينها بطاريات دفاع جوي إلى الساحل السوري وحمص، إضافة إلى تعزيز القدرات العسكرية للجيش السوري بأسلحة مختلفة. كما أن أنقرة عملت مع الأميركيين على الدفع باتجاه معالجة ملف الأكراد واندماج قوات سوريا الديمقراطية. 

 

ماكرون في دمشق

على وقع هذه التطورات، تأتي زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدمشق التي ستطرح فيها عناوين كثيرة. أولها الاهتمام الفرنسي التاريخي الذي لا يمكن أن يغيب عن المشرق العربي، ولا سيما سوريا ولبنان. ثانيها، تعزيز العلاقات مع دمشق وربما التعاطي وفق المصالح المشتركة أو الواقعية مع تركيا، لكن الأهم هو الردّ على كل محاولات استبعادها عن الساحة اللبنانية، والرد بالتحديد على نتنياهو الذي نجح في إبعاد فرنسا عن الملف اللبناني منذ أن نجح في إقناع الأميركيين بإنهاء مهام اليونيفيل، وصولاً إلى إنهاء الدور الفرنسي ودور الأمم المتحدة في لجنة الميكانيزم ووضع فيتو على أي مشاركة فرنسية في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية. 

 

ما سيبحثه ماكرون في سوريا، هو المواقف الفرنسية الثابتة حول الحفاظ على الاستقرار، وضرورة حماية التنوع والمكونات والحفاظ على أدوارها، إضافة إلى التركيز على مشاريع الاستثمار وربط الموانئ، من اللاذقية إلى بيروت إلى دبي وجدة. وكذلكَ البحث في كيفية الاستفادة من خطوط التجارة بين الخليج وسوريا وصولاً إلى البحر المتوسط ومنه باتجاه أوروبا. 

 

المواقف الفرنسية الثابتة

مما لا شك فيه أن فرنسا تعتبر نفسها أخرجت من التأثير في الملف اللبناني، خصوصاً مع توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل. ليست فرنسا وحدها متضررة من هذا الاتفاق، ووفق المعلومات هناك تحفظات فرنسية على الاتفاق، كما أن سوريا كان لديها تحفظات، وكذلك بالنسبة إلى تركيا ودول كثيرة، هذه الدول تسعى إلى إعادة طرح مبادرة لتعديل الاتفاق ولعدم الاستفراد بلبنان. كما أن ماكرون سيبحث في سوريا في كيفية تعزيز العلاقات اللبنانية السورية، وإبداء المساعدة لترسيم الحدود وضبطها بين البلدين، وتقديم الخرائط لإنجاز عملية الترسيم، إضافة إلى البحث في مرحلة ما بعد انتهاء عمل اليونفيل في جنوب لبنان، وهو موضوع سيكون مطروحاً في قمة الناتو، كما أن فرنسا ستعلن مواقفها الثابتة لعدم حصول أي تدخل سوري في لبنان ومحاولة مساعدة سوريا على مواجهة الضغوط الأميركية. 

 

نظرية باراك

لا تزال فرنسا تبدي الاستعداد لمساعدة اللبنانيين إما لوقف الحرب الإسرائيلية أو الدفع باتجاه الانسحاب أو نشر قوات دولية في الجنوب كبديل عن اليونفيل، وهي ستطل على الملف اللبناني من سوريا هذه المرة، ومن أنقرة خلال قمة الناتو. قبل سنوات كان لبنان وسوريا ساحات "صراع وتنافس" فرنسي تركي. اليوم لا يزال التنافس قائماً، لكن الظروف تغيرت والمصالح أيضاً قد تجد نفسها متقاطعة في ظل التحولات التي حصلت وفي مواجهة مشروع نتنياهو التوسعي الذي يريد تغيير حدود هذه الدول وضرب كياناتها. هذه الحدود التي تعتبرها فرنسا من أهم "منتجاتها" في الشرق. وما تريده فرنسا هو الحفاظ على وجودها ودورها في المنطقة، خصوصاً في العراق، سوريا ولبنان. وهنا لا يمكن إغفال الزيارات المتكررة التي أجراها المبعوث الأميركي توم باراك لباريس ولقاءاته مع المسؤولين هناك، خصوصاً أن نظرية باراك تقوم على إحداث تقارب تركي، عربي وخليجي، مع بعض الدول الأوروبية في إطار إعادة رسم التحالفات في المنطقة بما يتلاءم مع المصالح الأميركية، كما أن باراك يعمل على خط إحداث تقارب بين هذه الدول وإسرائيل، وهو غير متوفر على الإطلاق في ظل المشروع التوسعي الذي يمثله نتنياهو، الذي يهدف إلى تغيير جغرافية وديمغرافية المنطقة انطلاقاً من غزة وجنوب لبنان.