ما أبعاد تقدّم الجيش للإمساك بمداخل مخيم البداوي؟

يعود الوضع داخل المخيمات الفلسطينية إلى دائرة الضوء مجددا، ولكن هذه المرة من بوابة مخيم البداوي في الشمال، وتحديدا من مدخل خطوة إجرائية تفاهمت عليها السلطات اللبنانية والمرجعية الرسمية للاجئين، وتقضي بتقدم وحدات من الجيش اللبناني إلى مدخلي المخيم الشمالي والجنوبي وتسلمهما من عناصر جهاز الأمن الفلسطيني توطئة للسيطرة عليهما.

ومن المقرر إنجاز هذه الخطوة الأسبوع المقبل بعدما أبدت بقية الفصائل موافقتها على هذا الإجراء الذي يعدّ حدثا، لكونه أنهى وضعا فرضته تطورات حدثت منذ النصف الأول من السبعينيات.

وعليه، لهذا التطور أبعاد شتى تتجاوز محدوديته، لتؤسس لمرحلة جديدة في التعامل مع ملف السيطرة على المخيمات وتجريدها من سلاحها الثقيل وفق تفاهم مبرم بين الدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية.

المدخل الشرعي الذي عبَرت منه الدولة لتنفيذ هذا الإجراء كان بطلب من المرجعية الفلسطينية الرسمية التي يبدو جليا أنها نجحت إلى حد بعيد في القبض على زمام الشأن الفلسطيني في لبنان، منذ أن قدم رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله إلى بيروت في أيار ما قبل الماضي وأبرم مع العهد اتفاقا يقضي بتجريد المخيمات من سلاحها الثقيل، وهو ما بدأته حركة "فتح" طوعا، في انتظار أن تحذو سائر الفصائل وفي مقدمها حركة "حماس" حذوها.

منذ ذلك الحين صار المعنيون يترصدون خطوة تلو خطوة جديدة تتصل بوضع المخيمات. فمن تسليم السلاح إلى مطالبة الدولة عبر لجنة الحوار اللبناني -الفلسطيني سائر الفصائل بالاستجابة للطلب الموجه إليها منذ زمن، إلى إعادة تفعيل دور الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، وتحركات مكثفة لإثبات أن شؤون اللاجئين والمخيمات آلت إلى يد المرجعية الرسمية، ولاسيما بعدما أطيح كل الطاقم السابق في السفارة والمؤسسات المعنية وجيء بطاقم جديد وهيئة جديدة.

وفي سياق هذا المسار المستمر، كان إجراء تسليم الجيش حواجز الدخول الثلاثة (استحدث واحد جديد على مداخل البداوي).

أمام ذلك، تؤكد فصائل أنها لا تعترض على هذا الإجراء، لكنها تحتفظ بالعديد من الملاحظات، سواء لجهة التفرد بالقرار أو تجاهل مطالب اللاجئين وأوضاعهم التي تزداد صعوبة بعد قرارات وكالة "الأونروا" تقليص خدماتها ورواتب العاملين فيها أخيرا.

وتقول مصادر قيادية في حركة "حماس" إن "ما يشهده مخيم البداوي هو نتيجة الحدث الأليم الذي أدى إلى سقوط قتيل في أثناء عملية دهم كان ينفذها الأمن الوطني، ما خلّف تداعيات أمنية نتيجة رفض ذوي الضحية رواية الأمن للحادث وظهور سلسلة أحداث واعتراضات أفضت إلى توتر الوضع في المخيم وهددت الاستقرار فيه، وتاليا كان الأفضل أن توكل الأمور إلى اللجنة الأمنية المشتركة بعيدا من تفرد الأمن الوطني بمتابعة القضية التي ولّدت احتقانا.

وفي كل الأحوال، فإن الجهود مستمرة من الجميع لإيجاد مخرج ينهي ذيول الحادثة".

وتخلص إلى القول: "نحن حرصاء على أمن مخيماتنا وعلى التنسيق مع الجهات الرسمية اللبنانية المعنية لمعالجة كل القضايا، وفق احترام السيادة وبما يخدم قضايا الشعبين اللبناني والفلسطيني".

وإذا كانت جهات فلسطينية أخرى معارضة لا تبدي اعتراضا مباشرا على تسليم الجيش الحواجز على مداخل المداخل، إلا أنها تتخوف ضمنا من ثلاثة أمور:

الأول هو "تفرّد" السلطة وأجهزتها ومؤسساتها بالقرار الفلسطيني في لبنان من دون التنسيق مع سائر الفصائل.

الثاني، أن الإجراء الأخير (تسليم الجيش المداخل) أمر له مقدماته في هذا المخيمات وتحديدا عندما أقفل الجيش كل المداخل الفرعية التي تصل المخيم بالجوار وتتيح حركة أوسع للسكان وتسهل أمورهم الحياتية والاقتصادية، وبقيت هذه الخطوة من دون تفسير، خصوصا أن الدولة اللبنانية لم تفِ بوعود قطعتها للجهات المعنية في المخيمات بتخفيف حدة هذه الإجراءات التي ضيّقت على المخيم وسكانه، وزادت الأزمة في داخله، وترافقت مع إجراءات اتخذتها وكالة "الأونروا" أخيرا عبر تقليص تقديماتها ورواتب العاملين فيها بنسبة لا تقل عن 20 في المئة.

 الثالث، أن ما تخشاها هذه القوى الفلسطينية هو عودة  الجهات الرسمية اللبنانية إلى التعامل مع ملف اللاجئين من المنظور الأمني فقط، من دون أن تأخذ في الاعتبار المطالب الاجتماعية والإنسانية والحقوقية التي رفعوها مرارا وتكرارا ووُعدوا بتحقيقها، لكن تلك الوعود ظلت حبرا على ورق.

وفي كل الأحوال، تبدو خطوة تقدم الجيش للإمساك بمداخل مخيم البداوي بالنسبة إلى الدولة إنجازا يضاف إلى رصيد إنجازات حققتها أخيرا، خصوصا أن هذه السلطات أطلقت حديثا خطة أمنية بغية الفصل بين مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة كبؤرتي تخزين وتصدير لنسبة لا بأس بها من تجارة المخدرات والممنوعات، والمحيط خارجهما.