محمد باقر ذو القدر.. جنرال غامض يُحكم قبضته على إيران

بينما تتجه الأنظار إلى الوجوه السياسية المعروفة في طهران، يبرز اسم محمد باقر ذو القدر بوصفه أحد أكثر رجال النظام الإيراني غموضًا ونفوذًا. 

فالرجل الذي أمضى عقودًا بعيدًا عن الأضواء، متنقلًا بين الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية والقضائية، أصبح اليوم على رأس المجلس الأعلى للأمن القومي، في تعيين اعتبره مراقبون مؤشرًا على تعاظم نفوذ المؤسسة العسكرية داخل دوائر صنع القرار بعد الحرب. 

وحتى المقربون من النظام يتجنبون الحديث عنه؛ إذ قال عالم سياسة بارز لمجلة "لوبوان" الفرنسية: "لا أملك معلومات دقيقة عنه"، فيما اكتفى مسؤول أمني سابق بالقول: "بسبب علاقتنا به والمسؤوليات التي يضطلع بها، أُفضل الامتناع عن إبداء رأيي فيه".

وفي تحقيق مطول نشرته المجلة الفرنسية تتبعت مسيرة الرجل الذي انتقل من العمل السري قبل الثورة الإيرانية إلى قيادة أحد أهم أجهزة صنع القرار في طهران.

من هو محمد باقر ذو القدر؟

قبل الثورة الإيرانية عام 1979، كان ذو القدر عضوًا في تنظيم "منصورون"الإسلامي الشيعي السري الموالي للمرشد السابق الخميني، والذي اشتهر بتنفيذ عمليات استهدفت مصالح نظام الشاه وحلفائه. 

وفي ديسمبر 1978، اتُّهم التنظيم بالتورط في اغتيال المواطن الأمريكي بول إي. غريم، نائب مدير إحدى الشركات العاملة مع شركة النفط الوطنية الإيرانية. وإلى جانبه في تلك المرحلة برزت أسماء، مثل: محسن رضائي، وعلي شمخاني، وغلام علي رشيد، الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز قادة الحرس الثوري.  

النواة الأولى لفيلق القدس

خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، برز ذو القدر بقدراته العسكرية. وفي عام 1984، شارك في تأسيس "مقر رمضان، الذي يُعد النواة الأولى لفيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري لاحقًا.

ويشير الباحث فرزين نديمي، في دراسة لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إلى أن "مقر رمضان" كان يعمل "بحجم حكومة"، ولم تقتصر مهمته على قتال القوات العراقية، بل شملت أيضًا توسيع نفوذ الثورة الإسلامية داخل العراق عبر التعاون مع الأكراد العراقيين، وبناء شبكات نفوذ، وإدارة عمليات أمنية وسياسية عابرة للحدود.

وبعد انتهاء الحرب، غادر ذو القدر الأدوار الميدانية لينتقل إلى المناصب القيادية داخل الحرس الثوري. ففي عام 1988 أصبح رئيسًا لأركان الحرس، ثم عُين عام 1997 نائبًا للقائد العام. 

وخلال سبعة عشر عامًا، أشرف على تحوّل الحرس من قوة شبه عسكرية إلى المؤسسة العسكرية الأبرز في إيران، ثمّ إلى لاعب اقتصادي رئيسي مستفيدًا من الاحتكارات الحكومية وآليات الالتفاف على العقوبات الدولية.

من الميدان إلى قمع الحركة الخضراء

مع مطلع الألفية الجديدة، توسع نفوذ الحرس الثوري داخل الحياة السياسية الإيرانية. وكان ذو القدر من أبرز الداعمين لمحمود أحمدي نجاد خلال الانتخابات الرئاسية عام 2005، ليُعين لاحقًا نائبًا لوزير الداخلية لشؤون الأمن.

وعندما اندلعت احتجاجات "الحركة الخضراء" في يونيو 2009 اعتراضًا على إعادة انتخاب أحمدي نجاد، تولى ذو القدر تنسيق عمليات قمع المتظاهرين بواسطة الحرس الثوري وميليشيا الباسيج، وهي الحملة التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 150 شخصًا.

وفي عام 2010 انتقل إلى السلطة القضائية مستشارًا خاصًّا، ثم أصبح عام 2012 نائبًا لرئيس السلطة القضائية للشؤون الإستراتيجية. وفي عام 2021 تولى رئاسة مجلس تشخيص مصلحة النظام، الهيئة المكلفة بحسم الخلافات بين مؤسسات إيران.

ويلخص الباحث علي الفونه، المتخصص في شؤون القوات المسلحة الإيرانية، مسيرته بقوله: "طوال حياته المهنية، ظل محمد باقر ذو القدر رجل الحرس الثوري داخل كل مؤسسة تولى العمل بها".  

لماذا جاء تعيينه في هذا التوقيت؟

يرى الباحث فرزين نديمي أن اختيار ذو القدر لرئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي يحمل دلالة سياسية واضحة، إذ فضّل النظام، في ذروة مرحلة أمنية معقدة، تعيين شخصية عسكرية مخضرمة بدلًا من دبلوماسي أو تكنوقراط أو سياسي ذي حضور جماهيري.

ويؤكد أن مسيرة ذو القدر ارتبطت بالحرب غير النظامية، والأمن الداخلي، والتنسيق بين المؤسسات، وإدارة أدوات القوة، بما يعكس توجه النظام نحو تشديد قبضته الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب.

وتكشف "لوبوان" أن تعيينه جاء بدعم من القيادي البارز في الحرس الثوري أحمد وحيدي، الذي نجح، بحسب مصادر استخباراتية غربية، في تعزيز نفوذ الحرس داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، رغم أنه يُعد من الناحية القانونية هيئة مدنية.

وتقول المصادر: إن الحرس الثوري يعتبر نفسه المنتصر في الحرب الأخيرة، وهو ما عزز نفوذه داخل مؤسسات الدولة، وأضعف في المقابل موقف الشخصيات المدنية المؤيدة للتوصل إلى تفاهمات دبلوماسية مع الولايات المتحدة، وفي مقدمتها الرئيس مسعود بزشكيان. 

"الإيرانيون لا يُخيفهم التهديد"

لم يتأخر ذو القدر في إعلان نهجه السياسي. فبعد تصاعد التوتر مع واشنطن، وجّه رسالة علنية إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال فيها: "الإيرانيون لا يُخيفهم التهديد".

وجاء ذلك بعد أسابيع قليلة من توقيع بروتوكول تفاهم بين طهران وواشنطن بشأن إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، قبل أن تتعرّض سفن تجارية لهجمات نُسبت إلى الحرس الثوري؛ ما دفع الولايات المتحدة إلى شنّ غارات استهدفت جنوب إيران.

يختصر الباحث علي الفونه شخصية محمد باقر ذو القدر بقوله إنه "أقل كفاءة من سلفه علي لاريجاني، وأقل انفتاحًا على العالم". لكنه يرى أن هذه السمات قد تمنحه، على المدى القصير، قدرة أكبر على اتخاذ قرارات تُرضي الحرس الثوري، بينما سيحتاج النظام، على المدى المتوسط والبعيد، إلى شخصية أكثر قدرة على الربط بين مراكز القرار والأجهزة البيروقراطية للدولة.

وفي ظل تصاعد نفوذ الحرس الثوري بعد الحرب، يبدو أن اختيار محمد باقر ذو القدر يعكس أولوية القيادة الإيرانية في المرحلة الحالية: تعزيز السيطرة الأمنية وتحصين النظام من الداخل، حتى لو جاء ذلك على حساب الانفتاح السياسي والدبلوماسي.