المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: جوانا فرحات
الثلاثاء 10 شباط 2026 17:27:26
لم تكن زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن حدثاً بروتوكولياً عادياً بقدر ما كانت مرآة عاكسة للتباين القائم داخل الإدارة الأميركية حيال مقاربة الملف اللبناني ودور المؤسسة العسكرية فيه. فالتمايز في المواقف بين من يثني على أدائه وإنجازاته، ومن يحمّله مسؤولية التقصير، لا يرتبط بشخص هيكل بقدر ما يعكس اختلافاً أعمق في الرؤى والأولويات داخل مراكز القرار الأميركية.
الفريق المتضامن مع هيكل يتمركز أساساً داخل المؤسستين العسكرية والأمنية في الولايات المتحدة، وثمة أوساط دبلوماسية تعتبر أن الاستقرار، ولو كان هشاً، يبقى أولوية. هذا التيار يضم مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية أي البنتاغون، ودوائر مرتبطة بالقيادة الوسطى الأميركية، إضافة إلى دبلوماسيين في وزارة الخارجية عملوا طويلاً على الملف اللبناني. أما داخل الكونغرس فيلاقي هذا التوجّه دعم نواب وأعضاء لجان الدفاع والعلاقات الخارجية الذين ينظرون إلى الجيش اللبناني كشريك مهني، تلقّى تدريبه على مدى سنوات بدعم أميركي مباشر.
في المقابل، يقف فريق آخر أكثر تشدداً داخل الإدارة الأميركية وبعض أروقة الكونغرس، وخصوصاً بين نواب معروفين بمواقفهم الصارمة حيال نفوذ حزب الله وإيران في المنطقة. هذا التيار يضم مسؤولين سياسيين يربطون أي دعم أميركي للبنان بمدى قدرة الدولة ومؤسساتها الأمنية على تقليص نفوذ القوى المسلحة خارج إطارها. من هذا المنظار، يُنظر إلى أداء الجيش اللبناني وبالتالي إلى قائده رودولف هيكل على أنه دون التوقعات السياسية كما الأمنية.
بالتوازي ينتقد هذا الفريق ما يعتبره "إدارة حذرة أكثر من اللازم" للملفات الحساسة، ويرى أن الدعم الأميركي يجب أن يكون مشروطاً بمواقف أكثر وضوحاً وحسماً، حتى لو اصطدم بتوازنات وخصوصيات الداخل اللبناني. وينعكس هذا الموقف في دعوات بعض أعضاء الكونغرس إلى تشديد الرقابة على المساعدات العسكرية أو ربطها بشروط سياسية وأمنية إضافية. وبين هذين الخيارين، يجد قائد الجيش نفسه في موقف متمايز بين الإشادة بما أنجز وسيُنجز، وانتقاد لما يُراد منه أن يفعل.
رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بلبنان طوني نيسي ينفي وجود أي تناقض في الموقف الأميركي من قائد الجيش رودولف هيكل والذي ترجم بتحليلات عديدة في لبنان عقب انتهاء زيارته إلى واشنطن. ويوضح لـ"المركزية" أن "زيارة هيكل إلى واشنطن كانت موزعة على شقين : الشق التقني الذي لاقى استحسانا وإشادة من القيادة العسكرية في تامبا، وإطلاع الأميركيين على الخطة التي وضعتها الحكومة لنزع سلاح حزب الله وما تم تنفيذه حتى اليوم في جنوب الليطاني مع طرح علامة استفهام كبرى حول عدم تمكن الجيش من السيطرة كاملا على مستودعات الأسلحة والذخيرة هناك، وما يحتاجه الجيش من عتاد وسلاح لإنجاز الخطة في شمال الليطاني.إذا في الشق التقني هناك رضى على ما يقوم به الجيش اللبناني وبالإمكانيات المتوافرة لديه وقد تُرجم ذلك في اللقاءات التي عقدها هيكل مع القيادة الوسطى الأميركية ولجنة الميكانيزم في تامبا حيث شرح لهم الأسباب التي تحول دون تنفيذ الجيش خطة تسلم السلاح بالكامل من جنوب الليطاني وفي مقدمها عدم تعاون حزب الله مع الجيش لناحية الإبلاغ عن مراكز السلاح ومستودعات الذخيرة إضافة إلى احتلال اسرائيل للنقاط الخمس مما يعيق إنجاز المهام ميدانيا. وفي هذا الشق حاز هيكل على الرضى الكامل من البنتاغون والإدارة العسكرية.
أما عدم الرضى فمرده إلى المواقف السياسية التي خرج بها هيكل وكذلك موقف الحكومة من مسألة تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية. ويجب الإقرار بأن رد فعل السيناتور ليندسي غراهام وأعضاء في الكونغرس كان بمثابة رسالة مباشرة إلى الرئيس جوزاف عون والحكومة مفادها أنه في حال لن تُستكمل عملية تسليم سلاح حزب الله للجيش اللبناني واعتبار الأمر ضروريا وملحا مع الإلتزام بمدة زمنية فإن الدعم سيكون على المحك.
النقطة التي يتوقف عندها نيسي تدور حول أهمية شراكة لبنان في عملية الوصول إلى السلام في المنطقة ويقول" الولايات المتحدة تريد أن يقف معها قادة ورؤساء الدول في المنطقة في وجه محورالشر وأن يكون لبنان شريكا فاعلا فيها مع اعتراف السلطة السياسية فيه أن حزب الله منظمة إرهابية .وعليه إما أن يختار لبنان مواكبة عملية السلام التي أطلقها ترامب أو أن يجلس في حضن إيران والصين وروسيا ".فهل يتوصل لبنان إلى تحديد خياراته واقتناص اللحظة والفرصة التاريخية؟
"الموقف الرسمي اللبناني في مأزق. من جهة يعتبر أن حزب الله جزء من النسيج اللبناني وشريك في الحكومة ومجلس النواب وبالتالي ترفض السلطة السياسية حتى اللحظة الإقرار بأن حزب الله منظمة إرهابية ويجب أن نتعامل معها على هذا الأساس. ومن جهة أخرى تعتبر الولايات المتحدة أن الحزب منظمة إرهابية ويجب أن يُحاسب ويُعاقب وينزع سلاحه. وهذا الواقع ينطبق على الجماعة الإسلامية وحركة حماس. وانطلاقا من دقة وحساسية الموقف الرسمي اللبناني تحاول واشنطن أن تتفهم خصوصية الوضع اللبناني لكن ما لم ولن تقبل به أن تقتصر القرارات التي تتخذها الحكومة على القول لا الفعل!" يختم نيسي.