المصدر: النهار
الكاتب: نبيل بو منصف
الأربعاء 1 نيسان 2026 07:48:56
بمقدار ما تتعاظم خطورة التداعيات الإستراتيجية العسكرية والأمنية التي ستنجم عن آخر الحروب المتدحرجة لدى طيّ شهرها الأول بين إسرائيل و”الحزب”، سيكتسب صمود البلدات المسيحية في المنطقة الحدودية الجنوبية أهمية استراتيجية معاكسة تماما لكل ظنّ تافه أو ثقافة تخوينية تافهة متهالكة. هذه البلدات التي لا يتجاوز عددها الـ١٢ أو ١٣ بلدة ، باتت بعد أربعة أسابيع من اشتعال الحرب باسم “إسناد إيران” أشبه بالصخرة الأخيرة العائمة في محيط، لا ممر سواها إلى البرّ إن أُريد للغرقى النجاة وبلوغ البر.
دائما، وعلى امتداد التجارب التي تناوبت على الجنوبيين منذ تحولت المناطق الحدودية الجنوبية ساحة الاستباحات الخارجية واختلاطها بالصراعات الداخلية، أي منذ اتفاق القاهرة المشؤوم الذي أسس لواقع التضحية اللبنانية بلبنان كرمى لعيون الآخرين، وانتهت فلسفته المدمرة بتفجير حرب السنتين عام ١٩٧٥، مذذاك بدأ المكون المسيحي جنوبا وتحديدا في المنطقة الحدودية يكتسب رمزية استراتيجية تفوق بدلالاتها وأهميتها رمزية المكون المسيحي التأسيسية للكيان اللبناني.
هناك عند حدود الصراعات الكبرى التي عصفت بلبنان منذ ما بعد نكبة الهجرة الفلسطينية التي نال منها لبنان ما ناله تاريخيا وحتى الساعة، لا يجادل التاريخ ولا يدع مجالا للسفسطائيين في تجاهل عامل تاريخي وسوسيولوجي ووطني، بل قل و”قومي” لو كان مفهوم القومية هنا حكرا على اللبنانية الصافية الوفية الولاء للبنان، وهو أن نواة صمود الجنوبيين كلًّا أمام موجات الحروب، سواء صنفوا مواطنين بلا هوياتهم الدينية أو شيعة وسنة ودروزا ومسيحيين، لم تتفكك يوما أو تواجه التفكك والهوان والتراجع إلا حين يغدو المكون المسيحي في خطر. هذا لا يعني تجاهل خصوصيات الشركاء وعمق معاناتهم أمام كارثة ربط وجودهم وحياتهم ومصيرهم ومستقبلهم بمصالح خارجية قاتلة تسخّر واقعا تاريخيا للجنوب على تماس مباشر مع الصراع التاريخيّ المديد منذ نشوء إسرائيل.
ولكن الوجود المسيحي في الجنوب الحدودي خصوصا، أثبت على مدار العقود وتكرار التجارب أنه العامل الحاسم في الحفاظ على التنوع الجنوبي، أساسا لا غنى عنه في إبراز لبنانية الجنوبيين وعامل صمود واستعادة للتعافي وتعويم الدولة في تلك الأنحاء التي غالبا ما كانت قصتها مع الدولة متشابكة ومعقدة وعرضة للتهلكة والتوظيف.
في التجربة الراهنة، لا يغالي الذين يرصدون ويتابعون بدقة مجريات الأمور في البلدات والقرى المسيحية التي عانت وتعاني الحصارات، ولا نقول الحصارين فقط بين إسرائيل و”الحزب”، إن تخوفوا بقوة مضاعفة هذه المرة على انقطاع عرى تواصل الدولة، خصوصا مع هذه البلدات وتركها في أشداق الحرب وتداعياتها، فيما يخشى في الموازاة من نزعات عصبية رعناء ومؤامرات خبيثة متعمدة، من مثل تعريض سكانها للنار المجهولة المعلومة المصدر بقصد تهجيرها أو زجها في واقع التعامل مع الأمر الواقع الاحتلالي الإسرائيلي، معزولة عن الدولة.
إن إعادة انتشار الجيش أمام حصار النارين شيء، وإبقاء البلدات المسيحية صامدة شيء آخر، ولكم في جولات السفير البابوي الشجاع خير دليل على إرادة تمتين بقاء الجنوبيين المسيحيين في أرضهم. إن بقاء هؤلاء في بلداتهم من خلال وسائل تواصل الدولة معهم، والدولة تحديدا، سيغدو رأس حربة عودة مئات ألوف الجنوبيين المهجرين وليس العكس، بل إن صمودهم سيكون بمثابة حراسة للبنانية الحل الآتي، مهما تأخر وصوله. ولن نعود إلى تجارب في الماضي أسست لأكثر ما نعيشه من كوارث الآن.