المصدر: المدن
الكاتب: محمد أبي سمرا
الاثنين 8 حزيران 2026 11:50:13
هدّدت دولة الحرب الإسرائيلية الحارة المسيحية في صور بالإخلاء، بعد أن أبادت عمران البلدات الحدودية في جنوب لبنان، لاسيما مدينتي بنت جبيل والخيام، ومحقته محقًا شاملًا، ثم شرعت بتدمير عاصمتي جبل عامل الجنوبيتين: النبطية وصور.
أثناء ذلك تواترت موجة من الكتابات والنصوص والقصائد التي تستعيد حضور هذه المدن الكبرى الجنوبية، وتحيي ذكراها وتراثها وذاكرة أهلها وناسها وعمرانها على نحو مأساوي ورثائي.
وبعد حلقة أولى عن حارة المسيحيين في صور، نستعيد هنا في حلقة ثانية وأخيرة بعضًا من ملامح مدينة صور الاجتماعية والعمرانية في ستينيات القرن العشرين، كما تحضر في ذاكرة الكاتب الصحافي اللبناني الصوري الأصل والمنبت، سام منسى، وفي روايته العائلية وفي بعض المصادر التاريخية.
تحولات سكانية واجتماعية
كانت العائلات المسيحية في حارتها في صور وازنة الحضور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في بدايات القرن العشرين، على الرغم من أقلية المسيحيين الديموغرافية التي كانت تنسحب على الأقيلة المسلمة السُّنّيّة، الأقل وزنًا اجتماعيًا منهم، في حارتها الصورية المقابلة التي يتكاثف فيها الحضور الشيعي.
وفي حقبة الانتداب الفرنسي وبدايات الاستقلال في العام 1943، تراجع الحضور السنّي في صور: عائلات سنّية كثيرة انتقلت إلى بيروت وانقطعت علاقتها بالمدينة. وفي الخمسينات والستينات حصلت هجرة سنّية من صور نحو بلدان الخليج العربية، وهجرة مسيحية وشيعية إلى إفريقيا. وإذا كان مسيحيو صور قد تحسّن وضعهم الاجتماعي، وتوسّع حضورهم في أجهزة الدولة وإداراتها، وفي الخدمات والتجارة في هذه الحقبة، فإن اقتصار التعليم على المرحلة الابتدائية في المدارس الرهبانية والإرسالية في صور، أدى إلى انتقال طلاب وعائلات من المسيحيين الصوريين إلى صيدا وبيروت، طلبًا للتعليم الثانوي والجامعي.
وتراجع في هذه الحقبة دور ميناء صور، ونما الشيعة العامليون في حارة المسلمين، بفعل موجات الهجرة الكثيفة من الأرياف العاملية إلى المدينة. وبرز دور العلامة السيد عبدالحسين شرف الدين (1872- 1957) في صور. فهو من بدأ في العام 1922 بتأسيس المدرسة أو الكلية الجعفرية التي نشطت في الثلاثينات والأربعينات بتعليم أبناء العائلات الشيعية تعليمًا محدثًا ودينيًا في وقت واحد. وتلقت الكلية مساعدات مالية من مغتربين شيعة في إفريقيا.
في عهد المسيحية الأولى
تذكر التواريخ القديمة أن الفقيه القانوني الروماني الكبير أولبيان ولد في صور نحو العام 170م، وأصبح أحد أعظم فقهاء القانون في الإمبراطورية الرومانية. وكانت المسيحية قد انتشرت تدريجيًا في وقت مبكر في صور بين القرنين الأول والرابع الميلاديين. ويذكر لوقا الإنجيلي في سفر أعمال الرسل أن بولس الرسول مرّ بصور في إحدى رحلاته التبشيرية نحو سنة 58 م، وأقام فيها أيامًا بين جماعة من التلاميذ المسيحيين.
وبحلول القرنين الثالث والرابع الميلاديين أصبحت صور مركزًا أسقفيًا مهمًا، ثم تحولت إلى مطرانية واسعة النفوذ في مدن الساحل الفينيقي. وكان أسقف صور من أبرز الأساقفة في المشرق. وبين القرنين الرابع والسابع الميلاديين أصبحت صور مدينة ذات أغلبية مسيحية على الأرجح، كما كانت الحال في معظم مدن الساحل الشامي الخاضعة للإمبراطورية البيزنطية، فبُنيت فيها كنائس كبرى، وأديرة في محيطها، واشتهرت بالتعليم اللاهوتي، وشهدت نشاطاً تجاريًا وثقافيًا ربطها بالقسطنطينية والاسكندرية.
مدارس وجماعات
ومنذ القرن التاسع عشر شكّل التعليم الرهباني المحلي والإرسالي الغربي رافعة اجتماعية وثقافية لمسيحيي لبنان. وهذا ما ينسحب على مسيحيي صور الذين كانت قد تحولت الأغلبية الساحقة من عائلاتهم من المذهب الأرثوذوكسي (المسيحية الشرقية) إلى الكاثوليكية (المسيحية الغربية).
وروى سام منسى أن مدارس رهبانية وإرسالية خمس كانت كلها في حارة صور المسيحية في خمسينات القرن العشرين، وتتصدر النشاط التعليمي في المدينة للمسيحيين وللراغبين المقتدرين من أبناء العائلات المسلمة، الشيعية والسنية.
وعدّد منسى هذه المدارس حسب تسمياتها الشائعة: مدرسة الإنكليز الإنجيلية، مدرسة اللاتين، مدرسة مطرانية الروم الكاثوليك، مدرسة القديس يوسف، ومدرسة راهبات المحبة. وسوى مدرسة الإنكليز التي تعتمد اللغة الإنكليزية في مناهجها التعليمية، كانت اللغة الفرنسية هي المعتمدة في المدارس الأخرى، إلى جانب العربية. وكانت بعض هذه المدارس في شارع "الريفولي" الفاصل بين الحارتين المسيحية والمسلمة.
أما المدرسة الجعفرية فكان دورها أساسي في تعليم الأجيال الشيعية العاملية الجديدة، وفي نهضة المجتمع الشيعي العاملي بين الثلاثينات والخمسينات، وتجدَّد هذا الدور وتوسع مع تولي السيد موسى الصدر (1928 - 1978) إدارة المؤسسات التربوية العاملية في العام 1960.
التعليم الفلسطيني
وفي شهادة منسى عن التعليم ومدارسه في صور، تحضر مدرسة "الاتحاد" التي أسسها بعد النكبة الفلسطينية (1948) رجل فلسطيني مسيحي أرثوذوكسي من آل الشماس.
لكن أحدًا في صور ما كان ليفكر أو ليتساءل إن كان الشماس مسيحيًا أم مسلمًا، ما دامت الوطنية الفلسطينية العربية هي دافعه الأساس في نشاطه التربوي. وهذا على مثال دوافع الفلسطيني الآخر، قيصر حداد -شقيق وديع حداد، أحد مؤسسي "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"- والذي أنشأ "مدرسة الروضة" في بيروت مطلع الستينات.
وذكر سام منسى أن مدرسة "الاتحاد" الصورية، بُنيت في حي الرمل الجديد الناشئ خارج صور القديمة. وكان عدد طلابها وطالباتها يربو على ألف، معظمهم فلسطينيون. وهذا دليل على الحضور الفلسطيني الكبير المستجد في صور ومخيماتها في الرشيدية، البص، والبرج الشمالي، التي تستمد منها "الاتحاد" عددًا لا بأس به من تلامذتها الذين يقتدر أهلهم على دفع شطر من أقساطها. فهي مدرسة خاصة جيدة، وتعتمد اللغة الإنكليزية إلى جانب العربية. لكن الفئة الكبرى من تلامذة "الاتحاد" كانت من أبناء الفلسطينيين الذين سكنوا خارج المخيمات، أي في حارة صور المسلمة وفي حي الرمل الجديد.
سببا الهجرة: التعليم والأمن
لكن هذه المدارس التي كانت ابتدائية في معظمها لم تعد تلبي تزايد وتوسع طلب الصوريين، المسيحيين خصوصًا، على التعليم الذي تجاوز الطلب عليه المرحلة الابتدائية إلى الثانوية والعالي الجامعي، خصوصًا لدى العائلات الصورية المقتدرة من الطوائف كافة.
وفي شهادته جعل سام منسى الطلب المتزايد على التعليم ما بعد الابتدائي والمتوسط، السبب الرئيسي في هجرة مسيحيي صور إلى صيدا وبيروت، أقلة من جيل والده، أي منذ الأربعينات. فالأطباء والمحامون والصيادلة والمهندسون وكوادر موظفي الإدارة الصوريون المسيحيون تعلموا جميعًا، منذ المرحلة المتوسطة والثانوية، خارج صور: في القدس بمدرسة "الآباء البيض"، و"الكلية الشرقية" في زحلة، وفي البطريركية ومدرسة الآباء اليسوعيين في بيروت. ومن ذهبوا للتعلم في القدس كانوا يقولون لإدارة مدرسة "الآباء البيض" إنهم يريدون أن يترهبنوا، فيدرسون اللاهوت إلى جانب التعليم العادي، لكن أيًّا منهم لم يسلك طريق الرهبنة. ومن تخصص منهم في اللاهوت وحاز به شهادة، استخدمها لتعليم الفلسفة.
وفي ذاكرة سام المولود في العام 1953 في حارة صور المسيحية القديمة، شأن والده وجدّه وجدّ والده، تحضر، منذ طفولته، عبارات شائعة، كان يرددها مسيحيو الحارة عن تعليم أبنائهم، بعد تحصيلهم الشهادة الابتدائية (السرتفيكا): "لا نريد أن نعلّم أولادنا في مدرسة الاتحاد الفلسطينية، ولا في الجعفرية المسلمة، كما لن نعلمهم قط في المدرسة الرسمية". وهذه أصلًا لم تفتح أبوابها للمرحلة الثانوية في صور إلا في أواسط الستينات، وكان التعليم الثانوي فيها هزيلًا وضعيفًا. وعندما بدأ يتحسن في مطلع السبعينات، سرعان ما تهاوى بسبب اضطراب الأوضاع الأمنية والاجتماعية في صور والجنوب عمومًا.
بدأ نزيف هجرة المسيحيين من صور يظهر شيئًا فشيئًا في أواسط الخمسينات، تحت إلحاح طلبهم على تعليم أبنائهم. لكنه ظهر جليًا في نهاية الستينات بعدما أضيف السبب الأمني إلى الطلب على التعليم. وكانت بيروت المختلطة طائفيًا أولًا، ثم مناطق السكن المسيحي الصافي، وجهة تلك الهجرة في سنوات الحرب الأهلية.
بعض قدامى المهاجرين الصوريين المسيحيين إلى إفريقيا، كانوا يشترون بساتين في صور. "ومنهم أسرة عمتي -روى سام منسى- التي كانت تعيش، بعد عودتها من المهجر، عيشة ملوك في صور، بما توفرها لها عوائد تضمينها البساتين".
لكن إقبال ملّاك البساتين المسيحيين على مغادرة صور بدواعي التعليم، حملهم على بيعها، من دون أن يبيع أحد منهم بيته. بعضهم ترك فيها نواطير وخدمًا، آخرون تركوها خالية مهجورة. وبعد انتقال سام وأسرته إلى صيدا في العام 1968، "أخذنا نزور عمتي في صور في المناسبات والأعياد -قال- وبعد كل زيارة كنت ألاحظ أن بيوتًا جديدة تخلو من سكانها في حارة المسيحيين. وفي زياراتي الأخيرة برزت ملامح الهجران والإهمال على بيوت كثيرة. لكن ندُر أن باع أي من أصحاب هذه البيوت بيته في الحارة، التي اقتصر الحضور المسيحي فيها أخيرًا على العامة من بحارة صيد الأسماك".
عائلة سياسية صوريّة
منذ بدايات التمثيل النيابي في لبنان العشرينات وحتى اليوم، لم يستقر قانون الانتخابات النيابية ودوائرها في المناطق على حال. ومن عائلات صورالمسيحية الكاثوليكية برزت عائلة سالم في الحياة السياسية اللبنانية.
فمن عائلة سالم الصورية كان لإبراهيم سالم، شقيقان توأمان: يوسف ونقولا سالم، فترشحا وانتخبا لمراتٍ نائبين في البرلمان، وحظيا بمناصب وزارية. أما شقيقهما الثالث توفيق، فكان نائب رئيس الأركان في الجيش اللبناني، ووقع اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل في العام 1948، حسب رواية سام منسى.
وبين العامين 1925 و1943 ترشح وانتُخب يوسف سالم (1897- 1982) نائبًا عن الجنوب، ثم عن دائرة الزهراني في دورتي 1960 و1968. وفي العام 1969 عُيّن وزيرًا للخارجية. أما شقيقه التوأم نقولا، فترشح وانتُخب نائبًا عن جزين. ومنذ الخمسينات لم تعد دائرة صور الانتخابية تحظى بمقعد نيابي مسيحي في البرلمان. لذا ترشح الاخوان سالم في دائرتي الزهراني وجزين.
العصبيتان الشمعونية والشهابية
في الستينات انحصر التمثيل النيابي في صور بمقاعد ثلاثة للشيعة. ودار التنافس عليها بين العصبيتين الشمعونية (نسبة إلى الرئيس والزعيم الماروني كميل شمعون) والشهابية (نسبة إلى الرئيس الماروني الإصلاحي فؤاد شهاب، بعد حرب 1958 الأهلية الطائفية). وتصدّر العصبية الشمعونية في صور الوجيه الشيعي كاظم الخليل، بينما تصدّر العصبية الشهابية جعفر شرف الدين.
وحسب سام منسى كان مسيحيو صور يصوتون للشمعوني كاظم الخليل وكتلته النيابية بنسبة 80 في المئة. وبعض العائلات المسيحية الصورية كانت توزّع أصواتها بين الكتلتين المتنافستين. فوالد سام مثلًا كان يقول لزوجته: "صوّتي أنت لآل الخليل الشماعنة، وأنا أصوّت لآل شرف الدين الشهابيين، لأنني صديق لهم".
وروى منسى أن مطران الكنيسة المارونية في صور يوسف الخوري كان من عتاة الشهابية، ويتمتع بنفوذ واسع في دوائر السلطة والحكم. أما مطران الأغلبية الكاثوليكية في المدينة فكان شمعونيًا بلا نفوذ دوائر السلطة.
أما تفسير الراوي لميل المسيحيين عامةً إلى الشمعونية، فمنشأه وقاعدته ميل مخيلتهم الاجتماعية والثقافية إلى الغرب، ووقوف الرئيس شمعون إلى جانب الغرب ضد العروبة الناصرية التي تبنّى الرئيس فؤاد شهاب سياستها على الصعيد العربي والدولي.
حي الرمل
نشأ ما سُمي حي الرمل على كثبان رملية خارج مدينة صور التقليدية القديمة، وإلى الشرق منها. وقد تزامن نشوؤه مع بدايات هجرة المسيحيين من المدينة، وهجرة أهالي الأرياف العاملية إليها، ثم نزول اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات قربها (1948)، ونشاط منظمات المقاومة الفلسطينية بعد هزيمة حزيران 1967، ومن ثم الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الحدودية، وصولًا إلى نشوب الحروب الأهلية في لبنان (1975- 1990).
ونشأ حي الرمل الصوري استجابة لتلك الهجرات التي لا تتسع المدينة القديمة لاستيعابها. وشيّد تجار البناء الجاهز بنايات لسكن المهاجرين، بأقل قدر من التخطيط العمراني المدني. وانفجر تشييد البنايات على نحو شبه عشوائي على الكثبان الرملية والشاطئ والبساتين. وبلغ الانفجار ذروته في النصف الثاني من الثمانينات وحاصر المدينة القديمة التي راح سكانها المقتدرون ينتقلون إلى بنايات محدثة في محيطها القريب، بعضها يدير ظهره إلى البحر، فيما كان المسيحيون يغادرون حارتهم القديمة إلى العاصمة، وإما إلى مناطق الصفاء الطائفي المسيحي. وسرعان ما خلت صور من معظم العائلات الصورية المقتدرة والميسورة، تاركة بيوتها فيها خالية مهجورة.
وفي الروايات والذكريات العائلية الصورية المسيحية، تشيع صُوَر أو عناوين ثلاثة للمدينة: كانت مدينة تساكن عائلي مسيحي-مسلم. هجرتها معظم العائلات المسيحية بلا عودة. واقتصر حضور المسيحيين فيها على حضور رمزي أكثر منه ديموغرافيًا.