المصدر: الجمهورية
الكاتب: جوني منير
الاثنين 30 آذار 2026 08:26:28
مرّة جديدة تتأكّد مقولة إنّه يمكن معرفة كيف تبدأ الحروب لكن لا يمكن أبداً التحكُّم بمسارها ولا بخواتيمها. فهنالك مَن بات على قناعة بأنّ الأحداث سبقت الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو بات عاجزاً عن إيقاف الحرب التي بدأها. فترامب الذي يجد نفسه مضطراً لرفع مستوى الجاهزية العسكرية بسبب عجز الطرفَين الأميركي والإيراني عن التراجع خطوة إلى الوراء خشية السقوط من الداخل، يجد نفسه ينزلق أكثر فأكثر باتجاه عمليات قتالية برية، وهو ما لم يكن بحسبان أحد.
حتى الآن تبدو الأمور وكأنّ كل طرف استنفد كامل أسلحته من ضمن السقف الحالي المرسوم، ومن دون تحقيق نصر حاسم، وهو ما يفسّر اللجوء إلى التفاوض. لكن مع الإنتقال إلى مرحلة جديدة وسقف أكثر ارتفاعاً، فإنّ الحسابات تتبدَّل. والمرحلة القتالية الجديدة تحمل نموذجاً أكثر تهوُّراً، من خلال اعتماد مبدأ حافة الهاوية، لكن بمفردات حربية. وهذا الأسلوب يعتمد التصعيد المتدرِّج والتهديدات القوية والإيحاء بالاستعداد لتحمُّل المخاطر من كلا الجانبَين. وفيما دشّنت طهران حرب المضائق الخطرة بدءاً من مضيق هرمز، رفعت واشنطن مستوى الجاهزية العسكرية، واندفعت في حشد قوات برية. فإذا كان القرار يعود بمعظمه للبيت الأبيض في الموضوع المتعلّق بالنظام القائم في طهران، إلّا أنّ السيطرة الأميركية على المضائق البحرية تعود للمؤسسات العسكرية الأميركية، التي لا تتهاون فيها. ومع دخول الحوثي إلى ساحة القتال كآخر ورقة بيَد طهران، بدا أنّ حرب المضائق قد تشمل مستقبلاً باب المندب، وهو ما يرفع من مستوى الإستنفار الأميركي. فالمسألة باتت تتجاوز صراعاً مع نظام سياسي قائم لتصل إلى أساس النفوذ الأميركي في العالم، وهو ما لا تتسامح فيه مؤسسات صناعة القرار.
ومن هذه الزاوية، شرعت واشنطن إلى إرسال حوالى 10 آلاف جندي إلى المنطقة، للإنضمام إلى نحو 5 آلاف من جنود «المارينز» وحوالى 2000 مظلّي من الفرقة 82 المحمولة جواً. وأرسلت أيضاً سفينة «تريبولي» ومعها حوالى 3500 جندي وبحار، بالإضافة إلى حاملة طائرات ثالثة هي «جورج إتش دبليو بوش». وجرى تعزيز هذه القوات بمقاتلات هجومية وقدرات برمائية. كذلك جرى العمل على تحويل أسلحة كانت مخصَّصة لأوكرانيا إلى المنطقة، لتعويض ما استُنزِفَ في الحرب حتى الآن.
وهذا الحشد القائم لا يعني أبداً حالة التحضير لغزو شامل لإيران، وإنما عمليات برية محدَّدة ومحدودة في آنٍ معاً، لأهداف ذات أهمّية استراتيجية مثل مضيق هرمز أو ما يرتبط به. فالمؤسسة العسكرية الأميركية تدرك أنّ المضائق البحرية ليست مجرّد نقاط اختناق بحرية، بل مصدر السيطرة والقوّة، التي تمنح نفوذاً في عالم يتصاعد فيه التنافس. ومضيق هرمز يمسك بالأسواق العالمية وحركتها الإقتصادية.
وثمة جانب آخر لا يقلّ أهمّية. فإيران التي سعت للتعويض عن التفوُّق الأميركي والإسرائيلي في القدرات التقنية والعسكرية والاقتصادية، عملت على التصويب على نقاط ضعف أعدائها، وأبرزها: إطالة أمد الحرب وخنق أسواق الطاقة النفطية. ومضيق هرمز يُشكّل ورقة استراتيجية لرفع مستوى الضغط الإقتصادي إلى الحدّ الأقصى وإنهاك المجتمعات الغربية. لذلك عمدت مراكز صنع القرار الأميركي إلى القيام بخطة مضادة، عبر الإندفاع أكثر في المغامرة العسكرية وإظهار إستعدادها لتجاوز عامل الوقت، لا بل تحويله إلى سلاح ضدّ إيران التي تعاني من شح المساعدات الدولية. ومن هنا يمكن تفسير القرار برفع إنتاج مصانع الأسلحة الأميركية إلى أربعة أضعاف. وجاءت الاستعدادات الميدانية للتصويب على مضيق هرمز.
وصحيح أنّ الإنزلاق باتجاه توسيع دائرة الحرب بات يُهدِّد القدرة على التحكُّم بمجريات الأمور، إلّا أنّ الرسائل المرنة بقِيَت موجودة على رغم من ضيق الهامش السياسي. ففيما يُصرِّح ترامب بأنّ المحادثات مع إيران تسير بشكل جيد، أرسلت طهران هدية وصفها ترامب بالثمينة جداً، وهي كناية عن السماح بمرور 10 ناقلات نفط عملاقة. هذا في وقت صرّح فيه وزير الخارجية التركي بأنّ الإتصالات الأميركية-الإيرانية وصلت إلى مرحلة متقدّمة أو على الأقل بدأت فعلياً، ومشيراً إلى إدراك الأطراف المعنية بمخاطر استمرار التصعيد، ولافتاً إلى مشاورات مكثفة تجريها أنقرة مع كل من واشنطن وطهران.
ومن هنا السؤال الأهم: متى نصل إلى المساحة التي تفصل بين انتهاء الأعمال العسكرية والشروع في التسويات السياسية؟ وهي المساحة التي يُثبِت فيها نفسه مَن يملك قدرة الصمود والإستمرار وامتلاك الكلمة الأخيرة.
في العام 2003، عاش العراق حرباً شرسة كان يمكن له أن يتخطّى آثارها، لكنّ الفشل في التخطيط السياسي لمرحلة ما بعد الحرب، هو ما أدّى إلى تدمير العراق. وبالتالي فإنّ السؤال الأهم يتمحور حول اليوم التالي، في ظل التدمير الواسع الذي يلحق بركائز الدولة الإيرانية. وفي اليوم التالي سيفتح للمرّة الأولى ربما ملف حساس يتعلق بالعلاقة الأميركية-الإسرائيلية ووجوب ترسيم حدودها، وهو ما سيعمل عليه الرئيس الذي، سيخلف ترامب. لن تتخلّى واشنطن عن تل أبيب حتماً، لكن ثمة حاجة أظهرتها ولاية ترامب، وتفرض رسم خطوط حمر صارمة، وتفصل بين مصالح واشنطن الإستراتيجية في الشرق الأوسط ومصالح إسرائيل، بعد أن أزال ترامب كل حدود بينهما. وقد تبدأ بشائر هذا التوجُّه مع الإنتخابات النصفية الخريف المقبل.
وفي وقت تُبدي فيه واشنطن تأييدها لقرار إسرائيل في حربها على لبنان وتمسكها بالوصول إلى الليطاني، بدت الدول الأوروبية أيضاً أقرب لوجهة نظر إسرائيل. صحيح أنّ التركيز مُنصَب على إيران، إلّا أنّ مشاورات جانبية تدور رحاها لهندسة اليوم التالي في لبنان. وثمة اقتراح يجري التداول به في الكواليس الديبلوماسية، ويقضي بتقدُّم مجلس الأمن الدولي باقتراح يدعو لبنان لالتزام مبدأ الحياد، وإنجاز مفاوضات سلمية مع إسرائيل. على أن يترافق ذلك مع إصلاحات سياسية واقتصادية تفتح باب المساعدات الخارجية، التي سيكون لبنان بأمسّ الحاجة إليها. وكذلك أن تحصل إعادة «شدشدة» لمفاصل السلطة في لبنان، تسمح بتطبيق جدّي ورصين للقرارات المتخذة.
في هذا الوقت، تستمر إسرائيل في سعيها العسكري للوصول إلى الليطاني وتكريس جنوبه منطقة خالية من السكان. وتركّز إسرائيل على السيطرة على منشآت «حزب الله» في وادي القصير ووادي حامول، وصولاً إلى جبل الريحان شمال الليطاني. وبذريعة وجود مستودعات أسلحة ومداخل أنفاق داخل المنازل، تعمل إسرائيل على هدم البيوت وتدمير القرى. وهي أبلغت واشنطن، كما عواصم أوروبية أخرى، بأنّ عملياتها في لبنان ستطول إلى شهرَين وربما أكثر. ولمس لبنان إنحياز الموقف الأميركي بالكامل إلى جانب إسرائيل، إن كان عبر «الميكانيزم» الذي لا يزال قائماً، أو حتى عبر التواصل مع القنوات الديبلوماسية الأميركية. فواشنطن باتت مصطفة بالكامل خلف السردية الإسرائيلية، في وقت أضحى تواصلها السياسي والديبلوماسي مع لبنان الرسمي بارداً جداً. حتى مع الجيش اللبناني، فإنّ التواصل بات مقتصراً على الجانب التقني الصرف عبر الملحق العسكري الأميركي، فيما غاب التواصل كلياً عن المستويات السياسية والعليا.
لكن هذا الواقع «البارد»، الذي زاد من برودته ترحيل الجزء الأكبر من كادر السفارة الأميركية، لم يمنع من متابعة المخاطر التي تُهدِّد الساحة اللبنانية الداخلية، بسبب التهجير الواسع الذي طال أبناء الجنوب والضاحية، وأدّى إلى خلل خطير في التوزيع الديمغرافي الداخلي. وإثر الإحتكاكات التي جرت، عمدت قيادة الجيش إلى وضع خطة طوارىء لتدارك أي انهيار أمني قد يحصل. وعمدت إلى نقل حوالى 1000 عنصر من فوج التدخّل من الجنوب إلى بيروت ومحيطها. وجاء التجمُّع الذي حصل في ساحة رياض الصلح والهتافات ضدّ رئيس الحكومة، ليعزّز القناعة بضرورة إيلاء الساحة الداخلية رقابة أكبر، خصوصاً أنّ الديبلوماسيِّين قرأوا في التجمُّع رسائل للرئيس سلام، على رغم من محدودية الأعداد المشاركة.
وفي الإطار نفسه، عمدت باريس إلى إرسال 39 آلية من نوع VAP سيجري تسليمها خلال الأيام القليلة المقبلة. وهذه الآليات مخصَّصة للإستخدام الداخلي وتهدف لتعزيز الأمن، ومنع انزلاق لبنان إلى الفوضى التي يجري التلويح بها.
وفي إشارة أميركية رمزية حول فصلها بين علاقة واشنطن بالمؤسسة العسكرية والعلاقة مع القرار السياسي، عمدت واشنطن إلى الموافقة فوراً على تعيين ملحق عسكري لبناني جديد في واشنطن هو العميد أوليفر حاكمة، في وقت بقي التواصل الديبلوماسي مع لبنان ضعيفاً.
يتحدّث البيت الأبيض عن تمديد الحرب على إيران لشهر آخر إضافي، في وقت لا يبدو الأفق واضحاً. لكن أياً تكن التطوُّرات على الجبهة الإيرانية، فإنّ الوَشوَشات الديبلوماسية تشير إلى مرحلة حربية أطول في لبنان، وإلى برنامج يجري إعداده لما بات يُعرف باليوم التالي، وهو يطال الجانب الخارجي كما الواقع الداخلي اللبناني.