المصدر: لوريان لوجور
الكاتب: منير يونس
الثلاثاء 14 نيسان 2026 11:19:06
في الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية في لبنان، ومع ترسخ فرضية صراع مرشح للاستمرار لعدة أشهر، يستعد مصرف لبنان، وفقًا للمعلومات التي حصلت عليها "الأوريون لو جور"، لسيناريو تدهور حاد. وقد وجهت المؤسسة رسالة واضحة لا لبس فيها للمسؤولين الحكوميين: إنها لن تتدخل للدفاع عن الليرة اللبنانية إذا ما تعرضت مجددًا لضغوط مضارباتية، كما حدث بين خريف 2019 وصيف 2023. كما أنها لا تنوي تعويض أي ندرة محتملة للدولار في السوق، في حال أدت الحرب وتداعياتها الاقتصادية إلى تفاقم الضغوط على العملات الأجنبية.
ويبرر المصرف المركزي هذا الموقف بخط أصبح يُقدَّم على أنه غير قابل للمساومة: فالدولارات المتوفرة لديه لن تُضخ في السوق، لأنها تعود، بحسبه، إلى أموال المودعين. وفي الوقت نفسه، حذَّر السلطات من أنه لا ينوي العودة إلى تمويل الدولة، وهي ممارسة شكَّلت لفترة طويلة أحد ركائز النظام النقدي والمالي اللبناني، قبل أن تتحول إلى أحد رموز انهياره.
ويمكن تفسير هذا الموقف الحذر، بل المنسحب، بتطوُّر السوق مؤخرًا. وتشير مصادر ناشطة في الأوساط المصرفية وقطال الصرافة إلى أن عرض الدولارات تراجع بنسبة 35% خلال شهر مارس. واستمر هذا الانكماش في أبريل، مع تدهور الوضع الأمني وابتعاد آفاق تسوية جيوسياسية من شأنها تهدئة التوترات. وبحسب مصادر في وزارة المالية، يعود هذا الانخفاض بشكل خاص إلى تراجع تحويلات المغتربين وانهيار الإيرادات السياحية. ويُضاف إلى هذه العوامل انخفاض الإيرادات العامة، التي تراجعت أيضًا بنسبة 35% في مارس الماضي.
للوهلة الأولى، قد يبدو الرابط بين انخفاض إيرادات الدولة — المحصَّلة غالبًا بالليرة اللبنانية — والضغوط على الدولار غير مباشر. لكنه في الواقع في صلب الآلية الحالية. ففي اقتصاد أصبح مُدلْرَن بنسبة تزيد عن 85%، وفي ظل سياق يفرض فيه مصرف لبنان رقابة صارمة على الكتلة النقدية بالليرة، لم يعد جزء مهم من التجار والمستوردين يمتلكون ما يكفي من العملة المحلية لسداد الضرائب والرسوم المطلوبة منهم. ولتوفير الليرات اللازمة، يقومون حينها ببيع دولاراتهم للمصارف أو للصرافين، الذين يزودونهم بالسيولة بالعملة الوطنية القادمة من مصرف لبنان.
ولا تبقى الدولارات التي تُضخ بهذه الطريقة في الدورة الاقتصادية داخل السوق، بل تعود، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى مصرف لبنان، الذي يصدر بالمقابل الليرات اللازمة. وكانت هذه الآلية تسمح للمصرف المركزي حتى الآن بتعزيز احتياطاته من العملات الأجنبية تدريجيًا. لكن مع انهيار الإيرادات الضريبية والجمركية المرتبط بالحرب، بدأت هذه الآلية تفقد زخمها. فلم تعد الاحتياطات تتزايد؛ بل بدأت حتى في الانخفاض.
ففي الوقت نفسه، لا يزال مصرف لبنان ملتزمًا بتنفيذ تعهدات شهرية ضخمة. فهو يواصل تمويل الجزء الأكبر من السحوبات المسموح بها في إطار التعميمين 158 و166، اللذين يسمحان للمودعين حتى الآن بسحب ما بين 500 و1000 دولار شهريًا من حساباتهم. ويُضاف إلى ذلك دفع رواتب القطاع العام بالدولار، مقابل ليرات تتلقاها الدولة، في إطار الآلية المُعتمدة لتجنب ارتفاع مفرط في الكتلة النقدية المتداولة.
وبالمجمل، تتجاوز هذه الالتزامات 500 مليون دولار شهريًا. وقبل اندلاع الأعمال العدائية، كان المصرف المركزي قادرًا على الوفاء بهذه التدفقات الخارجية مع الاستمرار في تراكم الاحتياطات. لكن المعادلة تغيَّرت. فبين منتصف فبراير ونهاية مارس، تراجعت احتياطات مصرف لبنان بنحو 539 مليون دولار. وكل المؤشرات تدل على أن هذا الانخفاض سيستمر في أبريل، ثم في الأشهر التالية، إذا ما استمر تدهور الوضع الأمني وطالت أمد الحرب.
توسُّع الكتلة النقدية
وفي هذا السياق، يستبعد مصرف لبنان الآن أي تدخل يهدف إلى دعم الليرة. فإذا ما أصبحت العملة الوطنية هدفًا لموجات مضاربات جديدة، يقول المصرف المركزي إنه لم يعد مستعدًا لتوفير الدولارات اللازمة لاحتواء الضغط. وبحسب المراقبين، فإن هذا الخطر حقيقي، خاصة إذا ما زادت النفقات العامة بالليرة في الأسابيع القادمة. ويبدو أن مثل هذا الارتفاع صعب التجنُّب: فالدولة مضطرة لتمويل إيواء النازحين، وتنظيم المساعدات الطارئة، وتغطية النفقات الصحية المرتبطة برعاية الجرحى، والاستجابة، على نطاق أوسع، للاحتياجات الاجتماعية التي تولدها الحرب.
ويعني أي زيادة في النفقات العامة، آليًا، ارتفاعًا في الكتلة النقدية بالليرة. وهذا هو بالضبط السيناريو الذي يخشاه المصرف المركزي: أن تتدفق جزء من هذه السيولة بسرعة إلى سوق الصرف لشراء الدولارات، مما يفاقم الضغط على سعر الصرف. وفي ظل سياق تتقلص فيه عروض العملات الأجنبية بالفعل، قد تكفي زيادة الطلب لإضعاف التوازن الحالي، القائم على سعر صرف مُستقَر حول 89,500 ليرة للدولار الواحد. ناهيك عن أن بعض المصارف تشتري بالفعل دولارات في السوق بسعر 89,850 ليرة، وهو مستوى قد يعكس بداية توترات مضارباتية.
ويبدو إذن أن مصرف لبنان يعتبر أنه لن يتمكن، في آن واحد، من الحفاظ على هذا الاستقرار، وتمويل الدولة، والحفاظ على احتياطاته. وقد تم اتخاذ الخيار: سيتم حماية الاحتياطات، والرقابة على الكتلة النقدية، وعلى الدولة أن تدبّر أمرها بطريقة أخرى. وفي هذا الإطار، قد تضطر وزارة المالية، وفقًا لمصادر قريبة من الملف، إلى السحب من الفوائض المالية بالليرة التي كانت قد أودعتها لدى مصرف لبنان في عامي 2024 و2025.
ووفقًا للبيانات المتاحة، تتجاوز حسابات الدولة والمؤسسات العامة لدى المصرف المركزي 9 مليارات دولار، مُقوَّمة في غالبيتها بالليرة اللبنانية، تعود معظمها لوزارة المالية. ونظريًا، لا تحتاج الدولة إذن إلى أن يموّلها مصرف لبنان بالعملة المحلية: فهي تمتلك بالفعل احتياطات مهمة بالليرات. لكن هذه المبالغ تبقى، في غالبيتها العظمى، مُعقَّمة، أي مُحيَّدة، لتجنب تضخيم الكتلة النقدية المتداولة.
وتبلغ هذه الأخيرة حاليًا أقل من 70,000 مليار ليرة، أي ما يعادل أقل من 800 مليون دولار حسب سعر الصرف الساري. ويراقب مصرف لبنان بدقة تفادي أي توسع في هذه الكتلة النقدية، معتبرًا أن أي تراخٍ في هذا المجال سيفتح فورًا الباب أمام توترات جديدة في سوق الصرف. وهذا هو أيضًا ما يفسر، وفقًا لمصادر مصرفية، الارتفاع الحاد في سعر الفائدة بين المصارف، الذي بلغ 120% الأسبوع الماضي نتيجة ندرة حادة في الليرات داخل السوق.
وبعبارة أخرى، اختار المصرف المركزي تفضيل شكل من أشكال الانضباط النقدي الصارم، حتى لو كان ذلك على حساب الانسحاب الواضح من دوره التقليدي في دعم الدولة، وربما كمُثبِّت لسعر الصرف. ويبقى السؤال: كم من الوقت يمكن الحفاظ على هذا الخط إذا ما طالت الحرب، وانفجرت الاحتياجات المالية، وتصاعد الطلب على الدولارات؟ ففي بلد منهك بالفعل بست سنوات من الأزمة، قد تصطدم الصرامة النقدية بسرعة مع الاستعجالات الاجتماعية والسياسية والإنسانية.