للمستفيدين من تعميمي مصرف لبنان 166 و158... هل ستصل معضلة الودائع إلى نهاية سعيدة؟

لم تكن خطوة تعديل مصرف لبنان أخيرا للتعميمين 158 و166 بمثابة تدبير إداري مالي ومصرفي روتيني، وجب على الإدارة النقدية للبلاد أن تقوم به بمعزل عن أي مؤثرات ودوافع مالية ونقدية، بل أتت في سياق رغبة مصرف لبنان الدائمة في الاستمرار بالإمساك بملف الودائع المصرفية. كذلك أتت في إطار رغبة المركزي في إعطاء ما أمكن من الفرص والتسهيلات النقدية لحصول المودعين على جزء من حقوقهم المحتجزة في المصارف، وتعزيز مشاعر الأمل لديهم بإمكان استعادة جنى أعمارهم مقسطا ولو بعد حين، وبوصول معضلة الودائع عموما إلى نهاية سعيدة.

السماح بانتقال المودع من الإفادة من التعميم 158، إلى حقه في الإفادة من التعميم 166 بعدما أنهى استعادة وديعته، منح صغار المودعين فرصة الحصول على ما بقي لديهم من دولارات، دون انتظار خطط الدولة المنهكة، والتي كانت قبل الأزمة تتكئ على "دبّرها يا رياض"، فيما اليوم تتكل على ما يتدبره مصرف لبنان من حلول جزئية، مستنبطا ما أمكن من أفكار.

بيد أن كل ذلك يبقى هدرا للوقت والفرص، ما لم تبادر الدولة إلى الإمساك الجدي بالملف المالي والمصرفي وإقرار ما يلزم من قوانين وتشريعات تضع المودعين ومصرف لبنان والقطاع المصرفي برمته، على سكة الحلول الشاملة لمشاكلهم ومعاناتهم. ويبقى السؤال الذي ينتظر جواب المصارف: هل السيولة كافية للاستجابة لهذه التعديلات؟

إيجابيات التمديد والتعديل
إذا، توازيا مع تجديد العمل بالتعميمين الأساسيين 158 و166 لمدة سنة إضافية قابلة للتجديد اعتبارا من أول تموز المقبل، أقر المجلس المركزي لمصرف لبنان تعديلات أساسية على التعميمين. وتوسيعا لمروحة المستفيدين تم تعديلهما على نحو بات يطال المودعين الذين تنطبق عليهم الشروط كالآتي:

- اختيار الإفادة من أي من التعميمَين خلال المرحلة المقبلة.
- الإفادة من التعميم الرقم 166 حتى وإن كانوا قد أفادوا من التعميم 158 في السابق.
-الإفادة من حساب الأولاد القصّر.
-إفادة الحسابات التي تعدّ بمنزلة استمرار لحسابات كانت مفتوحة لدى المصرف نفسه قبل تاريخ 30/6/2023 من التعميم الرقم 166، وتشمل هذه الحسابات، على سبيل المثال، الحساب المشترك الذي أصبح فرديا أو الحساب الفردي الذي أصبح مشتركاً أو الحساب الذي يتم تحويله إلى الورثة الموصى لهم أو الحساب المجمد الذي أصبح ساريا.


فما هي أهمية التعديلات التي أضيفت إلى التعميمين؟
الباحث في شؤون الاقتصاد الدكتور محمود جباعي يرى أن تمديد مصرف لبنان التعميمين 158 و166 وتعديلهما "مهم جدا، باعتبار أن لا بديل من إعطاء المودعين جزءا من أموالهم. فالمصرف المركزي يحاول قدر المستطاع وبما يتلاءم وإمكاناته النقدية مساعدة المودعين في هذه المرحلة في انتظار الحل النهائي المتمثل بوضع خطة متكاملة لكيفية إدارة الدولة أصولها بمشاركة المصارف والمركزي".

ويعتبر أن أهم تعديل هو "إتاحة الإفادة من التعميم 166 لأولئك الذين لم يعد في إمكانهم الإفادة من التعميم 158 لأي سبب كان، خصوصا إذا كانت وديعته المحولة بعد 31/10/2019 من ليرة لبنانية الى دولار ومستوفية لشروط التعميم 166 الصادر منذ 5 أشهر".


ومن التعديلات لمهمة وفق جباعي، تلك التي تتعلق بحسابات القصر المحجوزة لدى المصارف، "إذ أصبح في الإمكان أن يستفيد أصحاب هذه الحسابات من التعميم 166، وهو ما سيزيد عدد المستفيدين منه، إذ يبلغون اليوم 70 ألفا: 61 ألف طلب مستوفية الشروط فيما 9 آلاف طلب تأخر بتّها لأسباب تقنية يسعى مصرف لبنان إلى معالجتها مع عدد من المصارف، وقريبا جدا ستحل مشاكل هؤلاء ويتمكنون من سحب أموالهم مع مفعول رجعي. وشملت التعديلات أيضا أصحاب الحسابات التي كانت مشتركة وصارت فردية، والعكس، بحيث أصبح في إمكان هذه الفئة الإفادة من التعميم 166. كذلك يستفيد الورثة الذين نقلت إليهم حسابات كانت تستفيد من التعميم 166 والحسابات التي كانت مجمدة وأصبحت جارية. ومع هذه التعديلات من المتوقع أن يطال عدد المستفيدين من هذا التعميم 100 ألف".

ويشير جباعي الى أن "نحو 370 الف مودع يفيدون من التعميمين 158 و166، منهم 180 ألفا تقريبا يحصلون على 400 دولار شهريا، ونحو 120 ألفا يحصلون على 300 دولار لكونهم أفادوا من التعميم في المرحلة الثانية، أي أن مصرف لبنان والمصارف تسدد نحو مليار و400 مليون دولار سنويا على ال#تعاميم (الـتعميم 158 نحو مليار و290 مليون دولار، والتعميم 166 نحو 126 مليون دولار حاليا وهو رقم قابل للزيادة مع ارتفاع عدد المستفيدين). وهذا رقم يمكن اعتباره مقبولا في هذه المرحلة، إلا أنه يحرك الكتلة النقدية في السوق ويساهم في الاستقرار النقدي وحماية قدرة المواطنين الشرائية. ومن المرجح أن تزيد هذه المبالغ مع التعديلات على التعاميم، ليصيح ما يسدده المركزي والمصارف للمودعين نحو مليار و500 مليون دولار".

ويضع جباعي هذه التعاميم في خانة الحلول التكتيكية والموضوعية للأزمة في انتظار الحل النهائي. وفي ما يخص حل أزمة المودعين، يشير إلى أن "لا قدرة للمركزي على حل هذه الأزمة حاليا، إذ ثمة ودائع بقيمة 90 مليون دولار والمركزي لا يملك سوى 10 ملايين. فحل هذه الازمة يحتاج الى تضافر جهود الجميع من دولة ومصارف ومصرف مركزي، والخطوة الاولى يجب أن تكون للحكومة من خلال وضع رؤية وخطة واضحة تتضمن حلا لكيفية رد الودائع مع تحديد المسؤوليات في شكل واقعي، وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وإنعاش الاقتصاد اللبناني".

لبنان وفق ما يقول جباعي "بدأ نوعا ما يخرج من أزمته الاقتصادية بفعل تحسن أرقام القطاع الخاص، ويعيش فترة استقرار نقدي طويلة الأمد بفضل سياسات المصرف المركزي".

ولكن بعيدا من الإيجابيات التي يحملها تعديل التعميمين للمودعين، فتحت هذه التعديلات الباب على تكهنات حيال قدرة المصارف على تلبية مفاعيلها المذكورة، فهل سيولة المؤسسات المصرفية قادرة على تحقيق وعود مصرف لبنان الجديدة للمودعين؟ وكيف تتجاوب المصارف مع التعديلات؟ لا تخفي مصادر مصرفية امتعاضها من تجاهل المركزي للمصارف في القرارات التي يتخذها، وتعد "النهار" بالإجابة عن هذه التساؤلات غدا... فكيف يكون الرد؟