معبر الزمراني: من ممرّ للمسلحين إلى عقدة معيشية - أمنية

على تخوم جرود القلمون الغربي وبلدة عرسال في البقاع الشمالي، يتسلّل معبر الزمراني في الظل بين الصخور الوعرة، خطّ لا تعترف به خرائط الدولة اللبنانية، لكنه حاضر في تفاصيل الحياة اليومية. معبر غير رسمي، تحوّل خلال العقد الأخير إلى شريان جدلي، بين من يراه متنفسًا معيشيًا للأهالي، ومن يعتبره ثغرة خطرة تستنزف الدولة وتشرّع حدودها.

من ممرّ للمسلحين إلى خطّ إمداد

خلال سنوات الحرب السورية، شكّل الزمراني أحد أبرز المنافذ لعبور المسلحين بين سوريا ولبنان. استخدمه مقاتلو المعارضة ثم تنظيما "داعش" و"النصرة"، قبل أن يسيطر عليه حزب الله والجيش السوري عام 2017 في معارك انتهت بترحيل المسلحين نحو إدلب. منذ ذلك الحين، بات المعبر تحت نفوذ أمني – عسكري مشترك، يُستخدم كخط خلفي على محور دمشق – البقاع، وصولًا إلى مواقع عسكرية للحزب في القلمون. وفي الأشهر الماضية، شكّل أيضًا طريق عودة لعشرات آلاف اللاجئين نحو الداخل السوري وفق تقديرات محلية.

 

حاجة معيشية ملحّة

اليوم تبدّل المشهد العسكري، لكن الحاجة المعيشية برزت بقوة. رئيس بلدية عرسال منير الحجيري يرى في حديث إلى "المدن" أنّ تنظيم وترسيم معبر الزمراني يساعد الأهالي على العيش، ويختصر نصف المسافة نحو دمشق وخصوصاً المنطقة الصناعية في القلمون، "فالمخارط الصناعية حاجة ملحّة لمعامل الحجر في البلدة"، ويشير إلى استفادة المواطن والدولة منه من نواحٍ عديدة.

شهادات من القرى الحدودية الأخرى – رأس بعلبك، الفاكهة، العين – تعكس المطلب نفسه "تحويل المعبر إلى منفذ رسمي يقلص كلفة السلع الغذائية والصناعية وأعلاف المواشي، ويحدّ من جشع السوق الداخلية". يشرح أحد المزارعين في بلدة العين، أنّ منفذًا رسميًا قريب جغرافيًا، يعيننا على تصريف إنتاجنا الزراعي، ويخفف علينا أعباء النقل.

اقتصاد ظلّ وخسائر بملايين

لكن ما يراه الأهالي حلًا وحقًا جغرافيًا، لا تراه الدولة كذلك. فالمعابر غير الشرعية، ومنها الزمراني، تكبّد الدولة خسائر ضخمة. ويؤكد مسؤول أمني متقاعد لـ"المدن" أنّ هذه المعابر تستنزف الخزينة بملايين الدولارات من الرسوم الجمركية، وتشكل أحيانًا طرقًا رئيسية لشبكات تهريب منظّمة مرتبطة بقوى سياسية وعسكرية.

وبحسب تقرير لـ"LBCI" في نيسان الماضي، تبلغ الخسائر السنوية الناتجة عن المعابر غير الشرعية نحو 700 مليون دولار، ما يطرح السؤال: كم يمكن أن تكسب الدولة من هذه الأموال لو جرى تحويل هذه المعابر إلى منافذ شرعية؟

معبر بلا إشراف رسمي

المفارقة أن معبرًا بهذه الأهمية لا يخضع لأي إدارة لبنانية مباشرة، لا جمارك ولا مؤسسات مدنية، فقط هناك نقاط ثابتة للجيش تعمل قدر المستطاع على منع التهريب، وهو ما يتركه مفتوحًا على احتمالات متناقضة: من الأهالي الباحثين عن لقمة العيش، وصولًا إلى تجار السلاح والمخدرات الذين يحوّلونه إلى سوق سوداء عابرة للحدود.

بين السيادة وواقع الناس

سياسيًا، ترفع الحكومة اللبنانية شعار "ضبط الحدود" في بياناتها المتكررة، لكن التطبيق يبقى غائبًا. أما داخليًا، فينقسم الموقف بين من يطالب بقوننة هذه المعابر كضرورة معيشية واقتصادية، ومن يصرّ على اعتبارها خرقًا للسيادة ونافذة لتهريب السلاح والمال والأشخاص.

في المحصلة، يبقى معبر الزمراني مرآة لمأزق الحدود اللبنانية – السورية منذ الاستقلال، وحدوداً مشرعة بين حاجات الناس وضغوط السياسة. والسؤال مؤجَّل عن قدرة الدولة على الموازنة بين لقمة العيش وسيادتها الممزقة.