المصدر: النهار
الكاتب: لينا اسماعيل
الأربعاء 10 حزيران 2026 13:17:56
حين تُذكر حدود البقاع الشمالي، تتجه الأنظار عفوياً نحو العسكرة والمداهمات الأمنية في جرود عرسال والهرمل.
لكن التدقيق في جغرافيا المنطقة يكشف عن خط دفاع أول غائب، يُدار بالبيانات الجمركية، ودفاتر الرصاص، وآليات التسعير.
إنه معبر القاع - جوسية البري، الذي يختصر أزمة منطقة عوقبت بالحرمان، ودُفعت دفعاً نحو الهوامش طوال عقود، حتى بات "التهريب" فيها نمط حياة فرضته البيروقراطية الرسمية قبل غياب الأمن.
المفارقة تبدو سريالية؛ فالمواطن أو التاجر في القاع أو الهرمل، الذي لا تفصله عن مدينة حمص السورية سوى كيلومترات معدودة، يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانزلاق نحو المسالك الفرعية غير الشرعية، أو الانصياع لمعادلة إدارية مجنونة تفرض عليه إرسال شاحنته في رحلة طويلة ومهلكة نحو معبر "المصنع" في البقاع الأوسط لينجز معاملاته الرسمية، ثم تعود صعوداً بالبضائع إلى نقطة البداية في البقاع الشمالي! طالما أن الدولة لا تؤمن هذا الممر الشرعي السلس والقريب، فإنها عملياً، تشجع أبناءها وتدفعهم نحو خيارات التهريب كبديل حتمي لتأمين معيشتهم وتجارتهم اليومية، محوّلةً غياب الإنماء في بعلبك-الهرمل إلى ثقب أسود يبتلع الشبان نحو خطوط التماس بحثاً عن لقمة عيش مريرة.
هذا الواقع يفسر لماذا يصارع معبر القاع اليوم، في عام 2026، للعبور من واقعه الحالي كمعبر فئة ثالثة لوجستياً، نحو مكانته القانونية المفترضة كفئة أولى، والمنصوص عليها في قرار مجلس الوزراء المنعقد في السادس عشر من آذار عام 2022، والذي ترافق مع تعديل المادة 53 من قانون الجمارك لإنشاء ميناء جاف في تعنايل البقاعية.
ومع التوقعات المرتقبة لإعادة فتح معبر العبودية في تموز المقبل، وبدء خطوات الدولة الإنمائية في الشمال عبر تشغيل مطار القليعات في عكار، يصبح إنصاف بعلبك-الهرمل عبر بوابة القاع ضرورة لإنتاج أمن مستدام يحتاج حتماً إلى ركيزة موازية من الإنماء المتوازن ومأسسة عمل الدولة.
تاريخياً، يمتلك معبر القاع تجربة ناجحة أثبتت قدرته الميدانية العالية كشريان تجاري أساسي؛ فخلال أحداث مخيم نهر البارد في عام 2007، ومع الإقفال الاضطراري لمعبري العبودية والعريضة في الشمال، تحولت حركة النقل البري بكاملها نحوه، فنجح في إدارة حركة تجارية ضخمة تدفق من خلالها ما يزيد عن 200 شاحنة يومياً، ما يؤكد أنه صمام أمان للاقتصاد الوطني.
لكن في علم الاقتصاد الحدودي، تتدفق البضائع حيث تغيب الضوابط السعرية؛ والواقع الميداني يثبت أن حركة التهريب في البقاع الشمالي لا يحركها غياب الرقابة بقدر ما يحركها غياب التسعير الجمركي الموحد والصارم للبضائع الداخلة عبر جوسيه. وبمجرد فرض تسعيرة موحدة وعادلة من المجلس الأعلى للجمارك، سينخفض الضغط تلقائياً على المسالك الفرعية، وتفقد شبكات التهريب جدواها الاقتصادية، ليصبح القانون الاقتصادي هو خط الدفاع الأول عن الأمن العسكري، بدلاً من استنزاف المؤسسة العسكرية ومخابراتها في مطاردات ميدانية مستمرة.
ولكي نفهم حجم التحدي اللوجستي، تفتقر مفرزة القاع الجمركية ومحيطها حالياً لآلية موحدة لمعالجة المهربات التي توقفها الدوريات؛ والحاجة ملحة اليوم لاستحداث نظام إجرائي واضح، بحيث إذا ضُبطت بضاعة مهربة (كالخضار أو المحروقات) من قبل الأجهزة الأمنية المعنية، تُساق مباشرة إلى مفرزة المعبر. وهناك، يحتاج المركز إلى تجهيز مكاتب معينة تتولى جرد المضبوطات بدقة، وإعداد محاضر رسمية بالكميات، ومن ثم "ترصيصها كفرد مصادرة" وتوثيقها بختم جمركي رسمي يحميها، قبل تحويلها بشكل قانوني شفاف إلى الجهات المختصة، أو تفريغها وتوزيعها على الجمعيات وفق الأصول والأحكام القضائية.
هذا النقص الإجرائي يتكامل مع غياب أكبر لـ "مكتب تخليص وإرصاص البضائع" المخصص للشحن والتجارة النظامية؛ إذ لا تدخل حالياً شاحنات استيراد أو تصدير عبر القاع لعدم وجود ساحات شحن وبنية تحتية مجهزة للتبادل التجاري الدولي.
وفي المشهد النموذجي المأمول للفئة الأولى، ينبغي أن تتحول هذه الآلية المستندية إلى دورة تجارية يومية منتظمة؛ تبدأ لحظة وصول الشاحنة من سوريا حاملة بياناً جمركياً سورياً مختوماً يُحدد الوزن والنوع والكمية، ليقوم الجمركي اللبناني بتدقيق الترصيص كإجراء حمائي قبل دخولها باحات الكشف.
وهناك يتولى المراقبون الكشافون الجمركيون فض الرصاص ومطابقة محتويات الشاحنات بالبيانات، وإحالة السلع الزراعية أو الغذائية كالأجبان بانتظار عينات مختبرات الدكوانة التابعة لوزارة الزراعة، تالياً، تأتي الأهمية الاستراتيجية لاستحداث مكتب زراعي دائم داخل حرم المعبر، يختصر الوقت والمسافات المضنية على التجار، ويحمي سلامة الغذاء بآليات فحص فورية في موقع الحدث.
وعند ثبوت المطابقة واستيفاء الرسوم، يمنح المكتب الجمركي السائق البيان الأصفر الشرعي المعروف بالـ EM4 متبوعاً بإيصال الدفع، لتدخل الأراضي اللبنانية كعنصر اقتصادي شرعي، بينما تُحال المخالفات إلى النيابة العامة.
المشكلة الحقيقية ليست في أداء كادر المفرزة الحالي، بل في النقص الحاد في البنية التحتية؛ فالمادة الثانية من مرسوم المعبر تفرض آلية مناقلة البضائع بين الشاحنات السورية واللبنانية تفادياً لدخول الشاحنات الأجنبية في العمق المحلي، لكن تنفيذ هذا البند عملياً يحتاج إلى مساحات لوجستية لم تُشيد بعد.
إن الانتقال بالمعبر ليكون فئة أولى فعلياً يتطلب ترجمة فورية لقرارات مجلس الوزراء والمجلس الأعلى لتجهيز المركز بالموظفين والعتاد، وتثبيت البنية التحتية الأساسية عبر إنشاء باحات شحن فسيحة مخصصة للاستيراد والتصدير، وتأمين أجهزة سكانر حديثة للدخول والخروج تنهي عصر التفتيش اليدوي المضني، مع زيادة عدد المراقبين الكشافين، ودعمهم بدوريات سيارة تضبط المتسللين عبر مسالك الهرمل وعرسال الفرعية وتوجههم نحو المعبر الشرعي، بالتوازي مع تفعيل بيئة رقابية محفزة للكادر البشري تضمن الشفافية المطلقة.
إن الأثر الإيجابي الكبير لرفع تصنيف معبر القاع يصب حتماً في صالح مزارعي وصناعيي البقاع، إذ يخفف عنهم الأعباء والأكلاف المادية والزمنية الناتجة عن شحن البضائع إلى مرفأ بيروت أو معبر المصنع، ويمنحهم فرصة الاستثمار الأمثل للوقت والإنتاج وإتمام المعاملات دون الحاجة لمعابر أخرى.
تجهيز معبر القاع ليس ترفاً إدارياً بل استراتيجية تنموية تضمن مصالحة المواطن مع منطق الدولة، ليتحول المعبر من مجرد مرسوم على الورق إلى رئة تجارية شرعية تضخ الأموال في خزينة الدولة وتُغلق فجوات الجغرافيا لتسند الجهد العسكري للمؤسسة العسكرية ومخابراتها بدلاً من استنزافه المستمر في ملاحقات لا تنتهي.