مغارة التربية: شفط أموال العراقيين مرتين.. وفقدان متعمّد للمعاملات

أتى بروتوكول التعاون بين العراق ووزارة التربية اللبنانية، الذي وقّع في العام 2023، على أساس أنه أفضل حل لتسريع معادلات شهادات الطلاب العراقيين الصادرة من العراق. يدفع الطالب خمسين دولاراً لوزارة التربية فتسرع له المعاملة ويحصل على المعادلة المطلوبة. فوزارة التربية بحاجة لمصادر تمويل لدفع حوافز بالدولار للموظفين، كي يأتوا إلى عملهم. ووجدت بالطلاب العراقيين مصدراً مهماً. لكن ما يحصل حالياً أن وزارة التربية تجاوزت حدود البروتوكول، وباتت تحمّل الطلاب خمسين دولاراً لقاء الحصول على مصادقة على إفادة بدل عن ضائع، رغم أن الوزارة تتحمل مسؤولية فقدان الملفات، ورغم أن "الهبة" العراقية مشروطة بإرادة الواهب، لقاء إنجاز المعادلات حصراً.


طلبات متوقفة منذ سنوات
سبق وصدر مرسوم عن مجلس الوزراء لقبول أموال البروتوكول كهبة لوزارة التربية. وتدفع أموال البروتوكول لقاء كل معادلة سواء للثانوية العامة أو للبكالوريوس، عن العام 2023 والأعوام التي سبقته. وكان يفترض أن تسلم المعاملات خلال مهلة تصل أقصاها إلى نحو شهرين من تاريخ تقديم الطلب في الجامعة المعنية. كما أنه كان يفترض أن يكون العمل بموجب البروتوكول قد أنجز وانتهى بإنجاز جميع المعادلات (باستثناء الطلاب القدامى الذين لم يتقدموا بأي طلب معادلة)، للانتقال بعدها إلى معاملة الطلاب العراقيين الجدد كسائر الطلاب الأجانب، أي دفع الرسوم العادية المطلوبة. لكن إلى حد الساعة ما زال هناك مئات المعاملات متوقفة أو ضائعة، رغم أن الطلاب سبق ودفعوا الأموال المتوجبة عليهم والمنصوص عنها في البروتوكول.

بموجب البروتوكول يدفع الطالب خمسين دولاراً عند تقديم طلب المعادلة. أما المصادقة على إفادة بدل عن ضائع فهي مجانية وغير خاضعة للبروتوكول، الذي كان هدفه الأول والوحيد تسريع سير العمل بالطلبات. لكن يبدو أن وزارة التربية "استذوقت" أموال البروتوكول وباتت تلزم الطلاب بدفع مبلغ خمسين دولاراً، حتى على إفادة بدل عن ضائع، هذا رغم أن الوزارة مسؤولة عن فقدان ملفات الطلاب.

ملفات ضائعة بالوزارة
ووفق مصادر "المدن"، هناك مئات المعاملات مفقودة لمعادلات البكالوريوس سبق وتقدم بها الطلاب على مر الأعوام السابقة منذ العام 2021. وما زالوا من دون معادلة البكالوريوس العراقية، رغم أنهم ناقشوا رسائل الماجستير أو الدكتوراه وتخرجوا من لبنان.

وتؤكد المصادر أن المعاملات مفقودة في وزارة التربية وليس في الجامعات لأن الطلبات حصلت على صحة الصدور من العراق. فبحسب القرار 278/م  للعام 2023 الصادر عن وزارة التربية، إنفاذاً لبروتوكول التعاون، تعد الجامعة الخاصة المعنية لوائح شهرية تدرج فيها أسماء الطلاب الذين ستقدم طلباتهم إلى الوزارة، تتضمن وصل إيداع مبلغ خمسين دولاراً في حساب خاص بالوزارة. وتتولى أمانة السر في لجنة المعادلات المعنية (في التعليم ما قبل الجامعي لمعادلة الثانوية العامة وفي التعليم الجامعي لمعادلة البكالوريوس) تسجيل الملفات الواردة من الجامعات، وتقوم بالتحقق من المستندات ومدى اكتمال الملف. وتضعها في سجل خاص مع إنشاء نسخ إلكترونية عنها. وتعد جدولاً بالملفات غير المكتملة يتضمن النواقص مع بيان أسباب رفض الطلب، وتودع لدى مندوب الجامعة. أما الملفات المكتملة فتعد فيها رسالة ترسل إلى الجهة المعنية، أي السفارة العراقية، ضمن مهلة أسبوع، للتأكد من صحة الصدور. وبعد إرسال السفارة صحة الصدور تعرض الملفات على لجنة المعادلات، وتصدر الإفادة خلال مهلة شهر.

وتشرح المصادر أن السفارة العراقية في بيروت راجعت العراق للحصول على صحة الصدور، وسلمتها إلى الوزارة. ما يعني أن هذه الطلبات سلكت المسار كله وصولاً إلى وزارة التربية. لكن الأخيرة لم تصدر المعادلة المطلوبة بعد (معادلات البكالوريوس) لأنه تبين أن ملفات الطلاب مفقودة.

دفع خمسين دولاراً من جديد
وعوضاً عن إصلاح الوضع، طلبت الوزارة من الطلاب إعادة تقديم طلبات من جديد. هذا رغم أنه يفترض أن يكون بحوزة الوزارة نسخة الكترونية، كما ينص القرار السابق. وبعيداً من أن هذه الطلبات الجديدة-القديمة يفترض أساساً ألا تخضع للبروتوكول، تطلب الوزارة من الطلاب دفع خمسين دولاراً مرة ثانية. هذا فضلاً عن أن الطالب سيعود ويتنظر لسنوات إضافية كي يحصل على المعادلة، في مسألة لا ذنب له بها.

ذريعة فقدان المعاملات في أمانة سر المعادلات الجامعية، هي أن الموظفين السابقين (يحاكمون في ملف الفساد المالي والإداري) إما تلفوا الطلبات أو أنهم سلموها لمندوبي الجامعات لابتزاز الطلاب بدفع رشاوى. لكن المشكلة هي في عدم امتلاك الوزارة نسخة الكترونية، كما ينص القرار السابق. ففي لجنة المعادلات للتعليم ما قبل الجامعي جميع المعادلات لها نسخ إلكترونية ومؤرشفة، وبالتالي لا يحتاج الطالب إلى إعادة تقديم طلب معادلة من جديد. والدليل على ذلك أن الطالب يتقدم هناك بطلب مصادقة للحصول على بدل عن ضائع. لكن مرة جديدة يتم تحميله مبلغ خمسين دولاراً عن كل مصادقة.
وتضيف المصادر أن معاناه الطلاب العراقيين لا تقتصر على "هذا التربح" الذي تقوم به وزارة التربية من دون وجه حق، بل إن التأخير في إنجاز المعادلات للطلبات الجديدة ما زال كما في السابق. وعندما يراجع الطالب عن سبب التأخير تُلقى المسؤولية على الجامعات. وعندما يتم مراجعة الجامعات تقول إنها أرسلت الطلب إلى الوزارة. ولا آلية للمراجعة كي يعرف الطالب أين أصبح طلبه وإذا كان مرفوضاً أو مقبولاً.

وبعيداً عن هذه الأموال غير المشروعة التي تجنيها الوزارة من الطلاب العراقيين، السؤال الأساسي هو: ماذا تفعل الوزارة بأموال البروتوكول، وكيف تنفقها؟ هل إنفاقها يتم بموجب البروتوكول (سبعون بالمئة منها للموظفين في لجان المعادلات وثلاثون للمصاريف التشغيلية)؟ أم تدفع منها حوافز لموظفين لا يعملون في لجان المعادلات؟